الأربعاء 20 نوفمبر 2019 م - ٢٣ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / جوكر فينيكس .. دراما جريئة تنتصر للمضطهدين
جوكر فينيكس .. دراما جريئة تنتصر للمضطهدين

جوكر فينيكس .. دراما جريئة تنتصر للمضطهدين

رؤية : طارق علي سرحان
لم يغفل صناع السينما عن الشخصية الأشهر والأعمق والأكثر جدلا في فئة أشرار القصص المصورة “الكوميكس” منذ اول ظهور لها في بداية الاربعينات، حيث تم تقديم “الجوكر” في العشرات من الأعمال وتم تجسيدها من خلال عدة ممثلين.
تمتلك شخصية الجوكر جوانب متعددة، هي أحد عوامل الجذب والتميز التي ظلت تدفع بصناع السينما لتقديمها مرارا وتكرارا عبر شاشات السينما، لكن تأتي رؤية مخرج فيلم “جوكر” هذا العام، مختلفة كليا عن ما شاهدناه سابقا، نموذج فريد
يمثل تحدي كبير، سوف يحدث نقلة نوعية في طريقة معالجة أفلام الكوميكس ولربما يفتح المجال لـ”دي سي” الى تأسيس عالم سينمائي بمفهوم جديد يتجاوز ثوابته السينمائية بما فيها التصنيف الرقابي “PG-13″.
تدور أحداث الفيلم في أوائل الثمانينات بمدينة جوثام “الخيالية”، في وقت تتراكم فيه أكوام القمامة في شوارع المدينة جراء اضراب عمال النظافة، لكن تلك ليست المشكلة، فوضاعة سكانها وفسادهم وانحطاطهم الاخلاقي، هي المشكلة الحقيقية التي يعاني منها أرثر فليك يؤدي دوره الممثل “واكين فينكس”، الفقير والمعدم الذي يكابد إهمال وعنف المجتمع من حوله، فضلا عن مشاكل عقلية واضطرابات نفسية ـ لم يتم تحديد نوعها ـ لكنها تسبب نوبات من الضحك اللاإرادي المتواصل. وبالبحث عبر الانترنت تبين انه داء يسمى “PseudoBulbar Affect” او فقدان الثبات الإنفعالي وهو ما يسبب نوبات من الضحك الهيستري أو البكاء.
يعيش أرثر مع والدته بيني، ويعمل مهرجا في إحدى الشركات الصغيرة، فيما يحلم بأن يصبح ملقيا كوميديا مسرحيا “ستاند أب كوميدي”، سنلاحظ حرصه على مشاهدة برنامج “مباشرة مع موراي فرانكلن” الذي يعتبره مثله الأعلى، يؤدي دوره الفنان روبرت دي نيرو.
معاناة يومية يواجهها هذا المهرج البائس، إثر تعرضه لمضايقات وإحباطات وإهانات جميع من حوله، نراه يكتب في يومياته بخط واضح مختلف عن باقي كتاباته “آمل أن موتي يصبح مفهوما أكثر من حياتي”.
مخرج الفيلم هو تود فيليبس الذي يتمرد على واقع السينما بمفهومه الحالي، ليستغل حالة الانجذاب الشديدة لافلام الكوميكس، ويدخل عليها مفهوم سبعيناتي إنحاز لضحايا فساد المجتمع وهو ماعرف بـ”هوليوود الجديدة”، أبرزها كان ” The King of Comedy”، ” A Clockwork Orange” و” Taxi Driver” الذي ستجد منه لمحات في بعض مشاهد جوكر، التي استلهمها فيليبس لتسليّط الضوء على أسباب التحول الخطير الذي حدث لأرثر ومأساته مع المجتمع التي دمرت مشاعره وأثرت على دوافع وجوده ليصبح في النهاية أعتى مجرمي العالم وأعنفهم، بعد أن وصل لغايته وحقيقة ما يريده في هذه الدنيا، مرددا كلمات أغنية “هكذا الحياة” لفرانك سيناترا “هذه الحياة .. مضحكة كما تبدو، .. بعض الناس يحصلون على ركلاتهم، .. يدوسون على أحلامهم، .. ولكنني لن أدعها، لن أدعها تسقطني”.
يندرج “جوكر” تحت فئة أفلام الـ”character study” التي تركز على دراسة الشخصية ولا تهتم بتقديم الحبكة، وهو ما لم يستوعبه بعض المشاهدين كونهم لم يشاهدوا حبكة محددة تدور حولها الأحداث. كما أنه لا يمجد للعنف ويحرض على الاجرام كما وصفه بعض النقاد وهاجمه صحفيون. إنه رحلة نفسية، دراسة معمقة تفانى في تقديمها الممثل المخضرم واكين فينيكس، جسديا حينما فقد 26 كجم من وزنه لتجسيد الدور، ونفسيا حين رأيناه متوحدا مع أبعاد وإضطربات الجوكر في تجسيد مرعب وأداء “اوسكاري” صادم تفوق على الفيلم بحد ذاته، بالتأكيد هو الأفضل هذا العام.
عبر ضحكاته التي تحكي آلامه وأوجاعه، مرضه الذي أوجعنا من خلال لغة جسده، تعابير وجهه “الغارق في الكآبة كما وصفه الناقد أوين جليبرمان، نظراته، وطريقة رقصه، ينجح فينيكس في الانتقال بالشخصية الى بعد أكثر درامية وواقعية، لم نشاهده في أي نسخة سابقة، بالمقارنة مع جوكر “جاريد ليتو”و”هيث ليدجر”، أو حتى من سبقهم، وذلك بالرغم من تحديات الشخصية، أضف الى ذلك التنوع في ادائه بين أرثر البائس الضعيف وجوكر المفعم بالحيوية والجنون، الذي بلورته زوايا تصوير فيليبس مع توظيف موفق وذكي للألوان والإيحاءات البصرية، بجانب موسيقى تصويرية قوية فرضت نفسها على المشاهد وأثرت على طريقة تفاعله مع سير الاحداث.
بقي أن أمدح فرضية السيناريو الجريئة، للعلاقة بين أرثر وعائلة توماس واين والد “بروس واين” الذي سيصبح فيما بعد “الرجل الوطواط”، ونشأة الكراهية مع واين الأب، ثم نموها لتصل الى الأبن وذلك على أساس عائلي ومجتمعي أيضا.
جوكر.. دراما نفسية جريئة وعميقة، سوداوية حزينة، يتعمق في الأمراض المجتمعية وينتصر للمهملين والمضطهدين، يصنع حالة من التعاطف اللاإرادي مع شخصية من المعروف أنها عتيدة الإجرام ليصنع منها بطلًا شعبيا.
من المؤكد دخوله تاريخ الأوسكار من أوسع أبوابه، لما لا، فهو أول فيلم كوميكس يحصل على جائزة “الأسد الذهبي” ولا يزال يحقق أرقام قياسية، بعد ان جمع 306 ملايين دولار في الأسبوع الأول من عرضه، برغم ميزانيته التي لم تتجاوز 55 مليون دولار، أضف الى ذلك حصوله على تقييم 9/10 على موقع IMDB، و 10/10 على موقع IGN المختص بالترفيه.

Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى