الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / «الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر «الجزء الخامس»
«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر «الجزء الخامس»

«الوطن» بالتعاون مع الادعاء العام: تعرّف على جرائم الاتجار بالبشر «الجزء الخامس»

مُساعد المدعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي

ختمنا الجزء الرابع من هذا الموضوع، الشائِك والمعقّد، الذي نشرناه يوم الإثنين المنصرم، باستعراض حيثيات خمس قضايا في مجال العمل القسري، الأولى منها كانت قضية افتراضية، رسمنا تفصيلاتها بتلك الكيفية، لتمكيننا في نقل حقيقة إلى الجمهور، مؤدّاها، أنه ليس كلّ عملٍ قسريٍّ يشكلُ اتجارًا بالبشر وأن هناك اشتراطات معينة، حدّدها المشرع، إذا ما توَفَّرت، واقترنت بالعمل القسري،أخرجت الفعل من مظلة قانون العمل، وأخضعته لقانون الاتجار بالبشر.
أما القضايا الأربعة التالية لها، فهي قضايا واقعية، من أدبيات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، رأيناها كفيلةً بإبراز مسألة اقتران فعل من الأفعال الواردة في قانون مكافحة الاتجار بالبشر، بوسيلة أو أكثر من الوسائل التي حددها المشرع، وصولاً إلى القصد الجنائي الخاص، المتمثل في استغلال الضحية في العمل القسري؛ وذلك كله، تجنبًا للسرد النظري الجامد، واعتماد الجانب العملي، بدلاً من ذلك. أوضحنا أن مثل تلك الواقعات المعروضة، تُشكِّل عملاً قَسريًّا، قولاً واحدًا، بالمخالفة لقانون الاتجار بالبشر، وليس لقانون العمل فحسب، ومن العبث، والحال كذلك، إخضاع المجني عليهن للتسوية، ودفعهن لقبول ما يعرضه عليهن المتهمون، تمهيدًا لغلق القضية إداريًا. فالردع الخاص، المطلوب عدالةً، إلى جانب الرَّدع العام، يقتضيان صرامة التعامل مع هكذا امتهان فج للكرامةِ الإنسانية.
وحول حقيقة أن ليس كل عملٍ قسري يشكل اتجارًا بالبشر، تؤكّد منظمة العمل الدولية أن العمل القسري الذي يشكل اتجارًا بالبشر، لا يتعدى حدود الـ(20)% فقط من إجمالي حالات العمل القسري، وفق دراسة أجرتها الدكتورة نهال فهمي.
وعليه، نؤكِّد هاهنا، بأن ثمّةَ ـ في مجتمعاتنا العربية، عامةً، والخليجية خاصةً ـ الكثير من الممارسات الخاطئة تُجاه العمالة الوافدة، كالعمل لساعاتٍ طوال، والحرمان من الأجازة الأسبوعية، والحرمان من المأكل والمشرب الكافيين، والمسكن المناسب، وإلزامهم للعمل في بيوت الأقارب، بعد الانتهاء من العمل الذي استؤجر لأجله، ناهيك عن الضرب والسب والإهانة، التي يعدها البعض نهجًا لا محيد عنه في التعامل مع خدم المنازل، ومن في حكمهم بحجةِ ضمان الاحترام والطاعة، هذا التأكيد ليس من بنات أفكاري، ولا من باب إلقاء الكلام على عواهنه، وإنما هو حقيقة تؤكّدها تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والتي تشير صراحة إلى أن العمل القسري يأتي في مقدمة أنماط الاتجار بالبشر؛ليأتي بعده الاستغلال الجنسي، ثم الأشكال الأخرى، التي من بينها الزواج القسري، والتسُّول، ونزع الأعضاء البشرية بطريقة غير قانونية، واستغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، وفي المظاهرات والإعتصامات.
من المؤسف أن نعلم، في هذا الصَّدد، أن المنطقة العربية تأتي في المرتبةِ الرَّابعة، من ستة أقاليم تمثل العالم من حيث الاتجار بالبشر ـ وفق ما تؤكِّده الدكتور نهال فهمي في دراستها (الإتجار بالبشر في المنطقة العربية) ـ ويسبقها في ذلك إقليم آسيا والمحيط الهادي، ويليه إقليم الدول الصناعية، ثم أمريكا اللاتينية والكاريبي.
يشيرُ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن تقريرهم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، لعام 2012م، أوضَحَ بأن العمل القسري يأتي في مقدمة أنماط الاتجار بالبشر، حيث أشارت الإحصاءات إلى أن (49)% من الضحايا هم من ضحايا العمل القسري، و(36)% من ضحايا الاستغلال الجنسي، و(14)% للأشكال الأخرى، التي من بينها الزواج القسري، والتسُّول، وصناعة الأفلام الإباحية، واستغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، والمظاهرات والإعتصامات (نهال فهمي، ص 106).
ويشار هنا إلى أن المهاجرين، بسبب الحروب أو الاضطرابات السياسية في بلدانهم، يشكِّلون أكثر الفئات استغلالاً، سواءً في العمل القسري، أو في الأعمال الجنسية، بمختلف أنواعها.
وتأتي مشكلة المشاكل، أو (ثالثة الأثافي)، كما يقال لغةً، في سوء استخدام (نظام الكفالة) في بعض دول الخليج، فوفقًا لتقارير المقررة الخاصة المعنية بالاتجار بالبشر، أن نظام الكفالة كثيرًا ما يحدث معه تجاوزات وانتهاكات، تؤدي إلى وضع المكفول في ظروفٍ شبيهة بالرق، كأن يحصل الكفيل على تراخيص (مأذونيات) لجلب العمالة من الخارج، وهو في حقيقة الأمر ليس بحاجة لخدماتهم، فيعمل على الاتجار بتلك المأذونيات، بأن يحصل على مبالغ باهضة ممَّن يرغب في القدوم إلى البلد للعمل، بداعٍ أنها مقابل الترخيص وتأشيرة العمل، وفور دخولهم البلد، يعمل على تسريحهم، ليتدبر كل منهم نفسه، فيعملون بطريقةٍ غير مشروعة، وفي نهاية كل شهر يدفعون مبلغًا متفقًا عليه للكفيل.
هنا، تكون علاقة التوظيف بين العامل والكفيل، علاقة وهمية، وفي حال ضبط العامل يعمل خارج نطاق الكفيل، يتعرض للمحاكمة والترحيل.
ويعد الاستخدام السيء لنظام الكفالة، وفق التصوير المتقدم، عاملاً محوريًا لتشجيع الطلب على الاتجار بالبشر، للفائدة الكبيرة التي تعود على الكفيل، وهو ما يتحتَّم على الضبطية القضائية، من ناحية والقضاء، من ناحيةٍ أخرى، ضرورة تفَهُم خطورة هذا الفعل الفج. فلاشك أنه لا يشكل مخالفة لقانون العمل فحسب، وإنما لقانون مكافحة الاتجار بالبشر في الوقت عينه.
أخيرًا، وليس آخرًا، فأن ظاهرة زواج القاصرات ـ وفق ما رصده تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009م ـ تشكل أحد مصادر التهديدات والمخاطر التي تهدِّد أمن الإنسان العربي، لما يترتب عليه من تحجيمٍ لمستقبل الفتاة، بفعل الحمل المبكر، وما قد تتعرض له من وهنٍ صحيّ، بسبب الولادة في تلك المرحلة العمرية المبكرة، ثم ترك التعليم، وغير ذلك من العوامل المكوِّنة لشخصيةِ الفتاة.
وعلى غرار ما قلناه في العمل القسري، فليس كل حالة من حالات تزويج القاصرات، تشكل اتجارًا بالبشر (المرجع السابق).
يبقى الفاصل بين ما يُشكّلُ جريمة وفق قانون مكافحة الاتجار بالبشر، والقوانين التقليدية الأخرى، مثل:(قانون الجزاء، وقانون العمل)، فاصلٌ دقيقٌ وشفَّافٌ جدًا يصعب، في كثيرٍ من الأحيان، على غيرِ المتمرّس، تحديد المرجعية التشريعية للواقعة محل النظر والدراسة.
✱ المرجع:
(الدكتورة نهال فهمي، الإتجار بالبشر في المنطقة العربية).

إلى الأعلى