الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أهمية التأهيل السياسي الوطني في المرحلة الراهنة

أهمية التأهيل السياسي الوطني في المرحلة الراهنة

محمد بن سعيد الفطيسي

لا شك ان كل شيء يتغير مع الزمن، الأفكار، الطموحات والآمال, الطبيعة البشرية نفسها وأسلوب التعامل مع القضايا الإنسانية والوطنية، سواء أكانت سياسية او اقتصادية أو ثقافية أو غير ذلك. والأخطر من ذلك التغيير على مستوى الحس الإنساني والمشاعر البشرية التي بكل تأكيد تتأثر سلبا أو إيجابا بالأحداث والوقائع والمشاهد التي تعيشها كل ثانية من الزمن.
وبمعنى آخر، من الخطأ الاعتقاد بأن الغرائز والأهواء البشرية تبقى ثابتة في ظل هذا الكم الهائل من سرعة التغيير والعصرنة في الأفكار والأدوات العابرة للحدود الوطنية، ومن الخطأ كذلك التعويل على المشاعر الوطنية في مواجهة الغرائز البشرية أمام هذا الطوفان الهائل من الأزمات المالية والاقتصادية، والعقبات التي تواجه الحياة الإنسانية، خصوصا تلك التي تلامس الحياة اليومية ومعيشة المواطن ومستقبل أبنائه واستقراره النفسي والاجتماعي.
لذا لا بد أن تتنبه الأنظمة السياسية والحكومات المسؤولة عن إدارة شؤون سكانها وعلى رأسهم مواطنوها، إنه من الاستحالة الوقوف أمام طوفان التغيير العابر للحدود الوطنية والذي بات يخترق المجتمعات بكل سهولة عن طريق القوة والقمع أو السعي إلى المواجهة الأمنية أو العسكرية. وأن أقصى ما ستستطيع الأنظمة السياسية ممارسته في هذا السياق هو محاولة إبطاء سرعة التغيير عبر أساليب العنف ومصادرة الأفكار وفرض الإرادة الرسمية على الإرادة الشعبية، وحينها لن يكون أمام أي حكومة سوى الصدام مواطنيها، الأمر الذي لا محالة من أن تكون نهايته وعاقبته وخيمة وكارثية على مختلف الأطراف الوطنية.
على أن هناك توجها آخر، وهو ما يجب أن تتبناه الأنظمة السياسية والحكومات القائمة على إدارة شؤون الوطن والمواطن، وهو التأهيل السياسي لمواطنيها والتطوير الإداري الموازي لمؤسساتها والمسؤولين القائمين عليها سياسيا كذلك, حيث إن “المجتمعات بلا شك تحتاج إلى تجديد نفسها لكي تستطيع أن تواكب التطورات التي تحدث في المجتمعات الأخرى، وإلا ستبقى متخلفة عنهم ولا تتمكن من أن تؤدي أي دور على الساحة الوطنية والدولية”( 1)
إن المجتمع لا بد أن يعايش التغيير السياسي، والأهم أن يمارسه على الأرض، وأن يدرب على التطوير والمشاركة المتعلقة بشؤون وطنه السياسية، وأن يؤهل على مختلف الأصعدة والمستويات الوطنية كي يتمكن من التعايش بمسؤولة وحس وطني مع حاضره الشخصي والوطني القائم ومستقبله القادم، وأن يواجه تلك الاختراقات التي تسعى إلى تفتيت اللحمة الوطنية وتقسيم الداخل الوطني عبر مختلف أشكال الحروب النفسية والإعلامية عبر ذلك التأهيل والفكر السياسي والأمني الممنهج والعقلاني الهادئ والرزين.
وإن أي محاولة رسمية للوقوف أمام هذا التيار بغير أسلوب السياسة والحكمة، أي اتجاه ضرورة التغيير السياسي وفطرة الحاجة الإنسانية والحضارية إليه، ستنعكس سلبا على الواقع الوطني، وستدفع المواطنين إلى الانفصام والاندفاع بجهل وتسرع إلى الأمام، ولا شك أن هذا الاتجاه مرفوض إذا كان سيتحقق عبر المواجهة والصدام مع النظام الداخلي عبر أساليب العنف والمواجهة والتدمير, لأن نتيجته النهائية ستكون ضعف الداخل الوطني وتراجع منسوب الثقة في النظام السياسي، ومع الأسف ستكون السبب في الانهيار الداخلي ودمار الأوطان.
وباختصار “فإن وجود مجتمع واعٍ ومثقف من الناحية السياسية نتيجة تراكم الخبرة التاريخية الناتجة عن توسع دائرة المشاركة السياسية كما وكيفا, وكذلك من خلال رفع مستوى التعليم الوطني في الجانبين السياسي والقانوني, ستساعده كثيرا على فهم المتغيرات السياسية، وبالتالي القدرة على الاختيار والتميز ما بين العديد من الاختيارات والخيارات التي لا شك أنها ستواجه جل المجتمعات المعاصرة كحتمية طبيعية للمتغيرات السياسية العابرة للحدود الوطنية، وبالتالي تمكينه بقدر المستطاع من الاختيار السليم والقادر على التميز ما بين العديد من شرور تلك المتغيرات والتحولات السياسية التي ستواجهه بلا شك في مستقبل علاقته مع نظامه السياسي وحكومته التي تدير شؤون حياته”( 2)
نعم، الوعي السياسي، والتأهيل السياسي هو من يصنع اليقظة الوطنية، يصنع المسؤولية والحس الوطني السليم، يصنع الحاضر والمستقبل الوطني. وبدون الوعي السياسي ومحاولات تأهيل المواطن وتطويره سياسيا عبر أساليب علمية ومنهجية لن يبقى من المواطن غير العقل الفوضوي والفكر الجاهل والجسد المنساق إلى الخراب والتدمير. “إذا هو الوعي السياسي للأفراد سواء على مستوى المواطنين أو المسؤولين في المؤسسات الرسمية. وحده من يستطيع في ظل المتغيرات والتحولات العالمية الراهنة وحتى تلك التي من المتأكد أنها ستحدث في المستقبل القريب والبعيد على خلق ذلك التوازن القانوني والإنساني والفكري السليم ما بين حق الجماهير في مشاركة السلطة في اتخاذ القرارات وشرعية السلطة السياسية في تنظيم وتأطير ذلك الحق حفاظا على هيبتها ومكانتها” ( 3)
ــــــــــــــــــ
مراجع
1 ـ د. كامران أحمد محمد, السياسة الدولية في ضوء فلسفة الحضارة – دراسة تحليلية نقدية – دار المعرفة, بيروت/ لبنان, ص, 239

2 ـ محمد سعيد الفطيسي, اليقظة السياسية للمجتمع ودورها في تحقيق الأمن السياسي الوطني, صحيفة الوطن العمانية, تاريخ النشر: 5 سبتمبر/2016م

3 ـ محمد سعيد الفطيسي, تنمية الوعي السياسي كمشروع وطني مستقبلي, صحيفة الوطن العمانية, تاريخ النشر: 25 ابريل 2011

إلى الأعلى