الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إعادة التمركز والانتشار في سوريا

إعادة التمركز والانتشار في سوريا

هيثم العايدي

لا يوجد نتيجة للعدوان التركي على الأراضي السورية أبرز من إعادة التمركز والانتشار للقوات الموجودة في سوريا، وبالتالي النفوذ الذي تمثله هذه القوات وفق خريطة يبدو أن إعادة رسمها جاءت بتوافق أميركي روسي لم يكن العدوان التركي خلالها إلا إحدى أدوات رسم هذه الخريطة.
وتحددت معالم هذه الخريطة مع إعلان نائب الرئيس الأميركي مايك بنس من أنقرة وقف إطلاق النار وذلك بعيد لقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث جاء هذا اللقاء بعد وعيد شديد من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرسالة ذات اللهجة القاسية التي بعثها ترامب لأردوغان وجاء تسريبها من قبل البيت الأبيض.
ونص إعلان وقف إطلاق النار على السماح بسحب وحدات حماية الشعب (القوات الكردية) من المنطقة الآمنة التي جرى تحديدها بعمق 20 ميلا مقابل عدم مواصلة الولايات المتحدة فرض عقوبات على تركيا.
وإذا كان إبعاد المقاتلين الأكراد هو الهدف المعلن الذي وضعته تركيا قبل شنها العملية العسكرية فإن الهدف الواضح للعيان كان القضاء تماما على ما تسمى (قوات سوريا الديموقراطية) والحلول محل القوات الأميركية، وفرض السيطرة على محافظات الشمال السوري وصولا إلى تخوم محافظة حلب.
وبالتأكيد فإن مطلب المناطق الآمنة والذي يليه كما أعلنت تركيا نقل اللاجئين السوريين إليها فإنه سيحتاج إلى وجود نوع من أنواع الإدارة في هذه المناطق ولو على أقل تقدير تنظيم عملية تسكين هؤلاء اللاجئين وإعاشتهم، وهو الأمر الذي كان سيفضي إلى إيجاد نمط إداري في شرق سوريا على غرار ما تسمى قبرص الشمالية التركية.
إلا أن العملية التركية لم تحقق أيا من هذه الأهداف بل عملت على تغيير خريطة النفوذ، حيث احتفظ الأكراد بمقاتليهم وعتادهم مقابل الانسحاب من المنطقة، كما أن الطرف الذي غطى على الانسحاب الأميركي (تعتزم القوات الأميركية الاكتفاء بالبقاء في دير الزور) هو الجيش الروسي الذي رافقت شرطته العسكرية قوات الجيش السوري إلى مناطق الشمال الروسي ودخلت مناطق مثل منبج وعين العرب.
ومن قبل إعلان وقف إطلاق النار برز توافق روسي أميركي على هذه الصيغة، حيث بدا هذا التوافق بغض الطرف عن بدء العملية، حيث لم تعترضها روسيا، كما أعطت لها الولايات المتحدة الضوء الأخضر، مرورا برفض الدولتين مقترحا في مجلس الأمن لإدانة العملية التركية، وصولا إلى التصريح الروسي على لسان وزير الخارجية سيرجي لافروف قبل وقف إطلاق النار بأنه ينبغي أن تحدد القوات السورية والتركية كيفية التعاون في شمال سوريا بناء على اتفاق أضنة في إشارة إلى المعاهدة الأمنية التي تعود إلى عام 1998 والذي يحدد الظروف التي يمكن لتركيا بموجبها تنفيذ عملية أمنية عبر الحدود في شمال سوريا، وألزم الاتفاق أيضا دمشق بالتوقف عن إيواء أعضاء في حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.
وفيما وزعت العملية التركية مناطق النفوذ معززة من الموقف الروسي كلاعب أساسي في سوريا عمل على التوفيق بين دمشق والأكراد، ويطمح لإيجاد صيغة تعامل بين دمشق وأنقرة، تبقى العديد من الملفات العالقة مثل صيغة وجود القوات الأميركية التي من الصعب تصور انسحابها بالكامل من سوريا ومصير آبار النفط الموجودة في الحسكة ودير الزور، بالإضافة إلى مستقبل الجماعات المسلحة الكردية وعلاقتها بحكومة السورية.

إلى الأعلى