الخميس 21 نوفمبر 2019 م - ٢٤ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: رسالة ترامب للتركي .. الأهم لب القضية

شراع: رسالة ترامب للتركي .. الأهم لب القضية

خميس التوبي

يسهب بعض المحللين في تحليل مضمون الرسالة التي بعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى نظيره التركي رجب طيب أردوغان، وأنه سابقة في تاريخ الخطاب السياسي الدبلوماسي في العصر الحديث، وذلك بخروج مضمون الرسالة عن الأعراف الدبلوماسية، مستغرقين في ماهية الرسالة والارتفاع كثيرًا عن مستوى العلاقة الحاكمة بين الولايات المتحدة وتركيا بتوقع رد من أردوغان يتساوى أو يفوق ما جاء في رسالة ترامب، منتظرين هذا الرد بأن يكون في واشنطن أو عدم تلبية الدعوة الأميركية بزيارة واشنطن.
هذا الاستغراق يبدو كمن يمسك بالقشور ويترك لب القضية، فمواقف الولايات المتحدة تجاه تابعيها من الدول وقادتها ليست بجديدة، فقد سبق وأن وصف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي الأسبق أثناء إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش “الصغير” أوروبا بـ”القديمة” على خلفية رفض كل من ألمانيا وفرنسا المشاركة في الغزو الأنجلو ـ أميركي للعراق، ما يعني أن المواقف عابرة، ولكن ما يهم هو الجوهر، حيث سقطت بلاد الرافدين ودمرت سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وأمنيًّا، وجرفت منها المشاعر الإنسانية ومظاهر التلاحم والتكاتف والتعاون وروابط الأسرة الواحدة، وجعل منها مرتعًا للإرهاب التكفيري، وبيئة للاقتتال الطائفي والعرقي، وبُذرت فيها بذور الانقسام الجغرافي تبعًا للتوزيع الطائفي والعرقي، فأصبح الشعب العراقي يبحث اليوم عن ثرواته التي باتت بين فكي الغزاة والمحتلين، والسراق والفاسدين، وأضحى يبحث عن أمنه واستقراره، وعن فرص العمل، والكسب الحلال، وعن الكهرباء والماء النظيف.
كذلك الحال تجاه سوريا، فلا يهم ما يدور بين الأطراف المكونة لمعسكر التآمر والعدوان على سوريا من تجاذبات ومماحكات، ولكن الذي يهم هو الأهداف الجامعة التي تعمل على تنفيذها جميع الأطراف، والمتمثلة في تدمير الدولة السورية وتقسيمها، واستعمارها ونهب ثرواتها وتهجير شعبها، وتغيير ديموغرافيتها، تبعًا للعامل الطائفي والعرقي، فما يجري في شمال سوريا اليوم ـ بجانب الدور الوظيفي للتنظيمات الإرهابية ـ هو أبرز مثال على حالة التلاقي بين المتآمرين على سوريا، حيث رأى الجميع الخبث الصهيو ـ أميركي من خلال معظم المكون الكردي الذي ركب طائعًا مختارًا سفن التآمر، بالإيعاز إليه بتصفية الشمال السوري من الوجود العربي، وإنهاء مظاهر التقارب والترابط والتآلف والتراحم التي كانت سائدة بين العرب والكرد قبل العام 2011م. فقد مارست الميليشيات الانفصالية الكردية المعروفة باسم “قسد” عمليات تطهير عرقي ممنهجة بحق العرب، وذلك تمهيدًا لإقامة “إسرائيل” الثانية في الشمال السوري، وهذا التطور أعطى ذريعة أكبر للتركي ليحقق أحلامه العثمانية الاستعمارية تحت طائلة ما يسميها “منطقة آمنة”.
في حقيقة الأمر، إن السلوك التركي يبدو أنه غدا يطير بجناحين؛ الجناح الأول الأميركي الذي تخلى عن حَمْلِ الكردي وتركه فريسة سهلة للتركي ليلقى مصيره في مزابل التاريخ، في تأكيد لحقيقة الولايات المتحدة الأميركية وهي أن ليس لها حلفاء غير كيان الاحتلال الإسرائيلي، وما عداه مجرد أدوات وظيفية لتحقيق الأهداف الصهيو ـ أميركية. أما الجناح الثاني فهو الروسي الذي يظهر للمتابع أنه يدخل واحدًا من الشراة في عملية المزايدة والبيع الرخيص التي يقودها الأميركي، من أجل إيقاظ الكردي من سباته وإفاقته من أحلامه المريضة المستغرق فيها وارتهانه للأميركي. إلا أن هذا السلوك التركي لا يخفي حقيقة النيات المبيتة تجاه سوريا في المرحلة المقبلة، وهي قضم مناطق الشمال السوري وضمها استعمارًا، على غرار لواء الأسكندرون.
ففي خلفية المشهد لما يسمى بـعملية “نبع السلام” ثمة مواقف تسلط الضوء على السلوك التركي والنيات المبيتة ضد سوريا:
الأول: التصريح الواضح للقادة الأتراك بأنهم لن يسلموا ما يسمونها بـ”المنطقة الآمنة” التي تمتد لأكثر من ثلاثين كيلومترًا في عمق الأراضي السورية إلا إلى حكومة سورية جديدة منتخبة، مع أنهم يعلمون أن هذا التصرف الأرعن هو خارج القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، وانتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في المنظمة الدولية، وتدخل سافر في شؤونها الداخلية، وانتهاك لحقوق دولة جارة، كما أن الحكومة السورية الحالية هي حكومة شرعية انتخبها الشعب السوري، وإذا كان التركي صادقًا فيما ينفيه من أطماع فعليه أن يثبت ذلك بتسليم هذه الأراضي التي احتلها للحكومة السورية الشرعية.
الثاني: انسحاب المقاتلين الأكراد ـ إن تم ـ من المنطقة المحددة تركيًّا والمسماة بـ”المنطقة الآمنة” وفقًا للاتفاق المبرم بين واشنطن وأنقرة، وبالتالي تنفيذ الانسحاب يسقط ذريعة أنقرة لمواصلة العدوان على سوريا.
الثالث: مزاعم أنقرة بأن دخول قوات الجيش العربي السوري إلى المناطق التي انسحبت منها الولايات المتحدة الأميركية، شمال سوريا، هو بهدف حماية وحدات حماية الشعب الكردية، وأنها تعده إعلان حرب على تركيا، كما جاء على لسان مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي في تصريح خاص لوكالة سبوتنيك الروسية. فدخول الجيش العربي السوري عددًا من المدن والقرى في الشمال السوري هو من أجل بسط سيادة الدولة السورية، ومد مظاهر والأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة التراب السوري، وكذلك لحماية المدنيين السوريين من الإرهاب وتخليصهم منه، لذلك وصول الجيش العربي السوري إلى شمال سوريا يسقط أيضًا ذريعة العدوان التركي على سوريا، وبالتالي إصرار أنقرة عليه لا يعني سوى الإصرار على الاستعمار والتقسيم والتدمير.
من الواضح أن الأميركي فاضل بين التركي والكردي فاختار الأول لاعتبارات كثيرة منها أن لديه دولة وجيشًا قويًّا وأنه عضو في حلف شمال الأطلسي، في حين الأخير مجموعة من الانفصاليين المتمردين، وبالتالي وضع البيض الأميركي كله في سلتهم يعني انتحارًا سياسيًّا، ألم يقل الرئيس دونالد ترامب للتركي “سوريا كلها لك.. لقد انتهينا”؟ ومن الواضح أيضًا أن الأميركي يراهن على بقائه في العراق والظفر به، وصار مقتنعًا بأن بقاءه في سوريا والعراق معًا سيكون له ثمن باهظ، لذلك ترك سوريا للتركي ليتولى ما يريده الأميركي وهو تقسيم سوريا واستعمارها. غير أنه ليس مستبعدًا أن يتحول الضوء الأخضر الأميركي للتركي للعدوان على سوريا إلى فخ في مراحل قادمة إن أصر الأخير على الاحتلال والجري وراء الأحلام العثمانية.
إذًا، لا يهم ما يتداول في الإعلام عن مضمون رسالة ترامب لنظيره التركي وردود الفعل عليها، وكيفية الرد، بل إن ما يهم كل عربي وسوري شريف هو النتائج الكارثية لمضمون الرسائل على دول المنطقة، كالعراق وسوريا وليبيا وغيرها.

إلى الأعلى