الخميس 9 أبريل 2020 م - ١٥ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الغرب والموقف من الديمقراطية

الغرب والموقف من الديمقراطية

د.أسامة نورالدين

هل الدول والمجتمعات الغربية التي تنعم بالديمقراطية والتي ظلت تعاني عقودا طويلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من رقي واستقرار، على استعداد لدعم التحولات الديموقراطية في الشرق الأوسط، ودعم الشعوب الطامحة للديمقراطية لتحقيق مبتغاها؟ أم أن تلك التحولات لا تصب في صالح الغرب، بل على العكس تدفعه لدعم النظم الديكتاتورية ودعم مساعيها لكبت الحقوق وانتهاك الحريات، وذلك على اعتبار أن بقاء الأوضاع على ما هي عليه في الشرق الأوسط يمثل الوضع الأمثل لاستنزاف ثروات تلك الدول وتحويلها إلى الغرب بالشكل الذي لطالما عهدناه خلال سنوات الاحتلال الطويلة لدول وشعوب المنطقة.
ويرتبط بهذا السؤال سؤال آخر يتعلق بجدوى المناشدات الشعبية للمجتمعات والأنظمة الغربية لدعم شعوب المنطقة في مساعيها للديمقراطية، وذلك على أساس أن التحول الديموقراطي حق من حقوق الإنسان العربي مثلما هو حق من حقوق الشعوب الأخرى التي نجحت في التحول دون أن تجد العراقيل والتحديات التي يلقاها المواطن في منطقة الشرق الأوسط، تلك العراقيل التي تضع بعضها الأنظمة الغربية نفسها، وذلك من خلال الدعم غير المباشر، سواء المادي أو المعنوي الذي يقدم للأنظمة المستبدة لمساعدتها في قمع المجتمعات وكسر إرادتها بالشكل الذي نشهده في العديد من دول المنطقة.
والواقع أن المتابع للسياسات والمواقف الغربية تجاه منطقة الشرق الأوسط، خصوصا بعد موجة التحولات التي شهدتها بعض دول المنطقة، يلحظ أن جل المواقف الغربية من العملية الديموقراطية في منطقة الشرق الأوسط، إما سلبية حيث يغلب الصمت على مواقف تلك الدول، وإما لصالح الأنظمة الرافضة لذلك التحول، ويكفي أن نضرب المثل بالحالة الفلسطينية التي شهدت أول انتخابات ديموقراطية في المنطقة، وكانت النتيجة دعم الأنظمة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الكيان الصهيوني في حصاره الغاشم على قطاع غزة والضفة الغربية لكسر إرادة الشعب الفلسطيني ودفعه لمعاقبة حركة حماس التي نجحت في الحصول على أغلبية بالمجلس التشريعي الفلسطيني، ليس هذا فحسب، بل والدفع باتجاه حدوث انقسام فلسطيني داخلي من خلال تقوية طرف على حساب الأخر، وتفعيل سياسة فرق تسد من جديد، وفي النهاية الزعم بأن شعوب تلك الدول غير مؤهلة لعملية التحول الديموقراطي.
وبالنظر إلى التاريخ المأساوي للغرب في منطقة الشرق الأوسط، نصل إلى نتيجة مفادها أن الغرب لم ولن يقبل بحدوث تحولات ديموقراطية حقيقية، خصوصا في المنطقة العربية، ليس فقط من أجل استنزاف ثرواتنا، وإنما كذلك لأنه يعلم أن الديموقراطية يمكنها أن تنقل المجتمعات العربية خلال فترة زمنية وجيزة لمصاف الدول المتقدمة، ومن ثم منافساتها في مناطق نفوذها ليس فقط في المنطقة ولكن كذلك خارجها، خصوصا وأن الشعوب والمجتمعات العربية قد أثبتت وعيا كبيرا وعبرت عن رغبة حقيقية في تحقيق هذه العملية، ولولا المواقف المتعنتة من بعض الأنظمة لأصبحت المنطقة واحة للديموقراطية في المنطقة والعالم، وما حدث بتونس من نجاح باهر للعملية الديموقراطية لهو خير دليل على ذلك.
ولذلك فإن شعوب المنطقة في حقيقة الأمر ليست في حاجة لطلب الدعم من المجتمعات والأنظمة الغربية لعملية التحول الديموقراطي التي تشهدها المنطقة، بقدر ما نحن بحاجه لرفع الغرب يده عنا والتوقف عن التدخل في شؤوننا الداخلية، لأنه ثبت بالتجربة أنه لا يريد بنا خيرا، وأنه لا يشغله سوى الحفاظ على مصالحه، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالح وحقوق الشعوب الأخرى.
ولكن للأسف حتى هذا الطلب الصغير لن يحققه لنا الغرب، فهو لن يتوقف يوما عن إفشال عمليات التحول الديموقراطي الجارية في منطقتنا، ليبقى وعي الشعوب والأنظمة التي تطوق لاستكمال عملية التحول هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الإنجاز، ومن ثم وضع دول المنطقة على أول الطريق الموصل للرقي والتقدم والاستقرار.

إلى الأعلى