الخميس 23 يناير 2020 م - ٢٧ جمادي الأولى١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بغداد .. بيروت .. مقاربة لتحطيم الجدران الطائفية

بغداد .. بيروت .. مقاربة لتحطيم الجدران الطائفية

احمد صبري

لم يكن مصادفة اندلاع الاحتجاجات الشعبية في العراق ولبنان، وإنما كانت تعبيرا عن مزاج الشارع العربي الذي ضاق ذرعا بفشل وإخفاق الطبقة السياسية التي تحكم البلدين والمتهمة بتبديد الثروة وإفقار الناس ومصادرة حقوقهم، في مشهد جديد بدأ يتشكل بعيدا عن قواعد اللعبة السياسية ونظام المحاصصة الطائفية والسياسية التي أبقتها مهيمنة على الحكم، وفشلت في إدارته على مدى السنوات الماضية.
والمقاربة في مشهدي العراق ولبنان تشير إلى أن الواقع الجديد الذي فرضه الحراك الشعبي كشف هشاشة وعدم قدرة القائمين على الحكم على التعاطي مع المطالب المشروعة للمتظاهرين وشواغلهم الحياتية، وهو الأمر الذي سيفتح الباب أمام مشهد جديد بعيدا عن الاستقطاب الطائفي والسياسي الذي كان عائقا لتحقيق التغيير المنشود.
وما يعزز فرص نجاح الحراك الشعبي وديمومته في العراق ولبنان أن جمهوره عابر لاشتراطات الاستقطاب الطائفي والمناطقي التي تراجعت أمام شرعية المطالب، وفشل المتمسكين بخيار تقاسم السلطة الذي أبقاهم في هرمها، وهو ما تجاوزته حركة الشارع بعد أن عدته يتقاطع مع حراكها العفوي بعيدا عن الإملاءات الحزبية المتمترسة خلف الجدران الطائفية التي اهتزت وتصدعت في أول اختبار حقيقي مع حركة الشارع وانتفاضته.
وعندما نشير إلى المقاربة في مشهدي العراق ولبنان فإننا نتوقف عند الجمهور الذي أوصل الطبقة السياسية إلى سدة الحكم الذي انتفض على من انتخبهم وأوصلهم للسلطة وكشف خذلانهم ونزع شرعيتهم في ردة فعل عنوانها التغيير الحقيقي المنشود الذي يقرب البلدين إلى الاستقرار، ووقف تغول الفاسدين على المال العام وحمايته من حيتان الفساد.
فلبنان الذي يدفع شعبه فاتورة فشل طبقته السياسية التي لم تتورع في إضافة أحمال جديدة على كاهل مواطنيها يواجه حراكا شعبيا يبدو أنه لم يتوقف ويركن لوعود كاذبة تتجاوز المحرمات التي كانت تمنع الجمهور من كسر محدداته والمطالبة بحقوقه المشروعة، ومنع يد السراق الذين يستظلون بتلك المحرمات للوصول إلى سرقة أمواله في تحول كبير سيضع لبنان أمام مفترق طرق؟
فإما دولة مدنية تستجيب لكل شواغل اللبنانيين أو استمرار تغول طرف سياسي باستخدام السلاح والاستقواء بالعامل الخارجي كخيار لترهيب معارضيه في مسار العمل السياسي، وهو خيار سيدفع أثمانه الباهظة المواطن اللبناني من دون أن يرى مخرج يجنبه المزيد من الخسائر.
إذًا الجمهور الذي خرج إلى الشارع بعفوية من خارج سلطة الأحزاب المتنفذة، وطالب بالتغيير الحقيقي، هو رسالة بليغة وواضحة الأهداف مفادها أن ترحل الطبقة السياسية، والحل المنشود يكمن بنظام جديد يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات من دون إقصاء أو تهميش أي طرف/ نظام يحقق العدالة، ويعزز سلطة القانون، ويحصر السلاح بيد الدولة ومحاسبة من يستقوي به ضد الآخرين.
من هذا المخرج للواقع المرير الذي يعيشه البلدان ممكن أن تفتح ثغرة من الجدران الطائفية التي ما زالت تحول دون تحقيق الاختراق المطلوب بفعل تمترس رموز الطبقة السياسية خلفها، وترفض أي مساس بهذه المحرمات، كما تحاول إيهام الجمهور بذلك مثلما يسعى القائمون على الحكم في العراق لتكريس سلطتهم التي تترنح في عدة ساحات رغم فشلهم في إدارة العراق، والحفاظ على ثرواته والتفريط بها بفعل الفاسدين وحماتهم من مراكز النفوذ والقرار.
وهذا المشهد السوداوي يعكس حال العراق بعد 16عاما على احتلاله هو الذي دفع مئات الآلاف من العراقيين للنزول إلى الشارع والمطالبة برحيل النظام بانتفاضة شعبية عفوية عابرة للطائفة والعرق.
واستنادا إلى ما تقدم فإن مسار الحراك الشعبي وتطوراته فإن المنتفضين في العراق قدموا دماءهم الزكية في مواجهة أنياب السلطة لإيصال صوتهم لمن يهمه الأمر، وكان الرد فتح النار على صدور المحتجين الشباب رغم سلمية حراكهم.
أما في لبنان فإن خيار السلاح لوأد الحراك الشعبي المتصاعد هو الذي يلوح بالأفق من أحد أطراف المعادلة السياسية استباقا للقادم.
نعم، المقاربة بين بغداد وبيروت .. هي برسم التغيير لتجاوز الجدران الطائفية.

إلى الأعلى