الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل كان أبو نواس يهودياً؟

هل كان أبو نواس يهودياً؟

أ.د. محمد الدعمي

” .. ان بحثي عن اصل تسمية “ابي نواس” قد قادني إلى أن الشاعر عرف بهذا الاسم “لذؤابة كانت تتدلى من رأسه”، وقيل إن اللقب يعود “لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه”. وقد حاولت تخيل صورة الشاعر، وإذا بي أرى رجلاً اشبه برجال اليهود المتدينين الذين غالباً ما يفعلون ذلك، اي أنهم يحافظون على جديلتين متدليتين من جانبي الرأس: فهل كان ابو نواس يهودياً؟”
ــــــــــــــــــــــــ

لم يثر أي من شعراء العرب الكلاسيكيين جدلاً، إعجاباً أو ذماً أو اختلاطاً، كما فعل ابو نواس، الشاعر العباسي الكبير الذي عرف بـأنه أمير شعراء الـ”خمريات” وبافتتانه بموضوعات تعد محرمة في عالم الإسلام عبر العصر الوسيط. أما في العصر الحديث، فقد أقامت الدولة ندوة كبيرة لمناقشة اسم من أهم وأجمل شوارع بغداد المعروف بشارع “ابي نواس”. وشهدت تلك الندوة التي ترأسها رئيس الجمهورية آنذاك لغطاً كثيراً منهم من شكك في أن الشاعر كان عربيًّا ومنهم من شكك في حقيقة “أخلاقياته” وهل كان ماجناً ومتهتكاً فعلاً؟ ثم كيف تاب؟ فرآه أصحاب له في منام وهو في الجنة بعد موته!
لست كثير العناية بهذا الموضوع، إلا أن حرصي على البرهنة على ما اذهب إليه في كتابي القادم (الشرق الأوسط: إقليم المفارقات) بأن هناك في تاريخنا تحاملا مفرطا ضد اليهود، من بين سواهم من الأقوام، حتى قبل قرون وقرون من بداية الحركة الصهيونية وتأسيس إسرائيل.
والحق، فإن بحثي عن اصل تسمية “ابي نواس” قد قادني إلى أن الشاعر عرف بهذا الاسم “لذؤابة كانت تتدلى من رأسه”، وقيل إن اللقب يعود “لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه”. وقد حاولت تخيل صورة الشاعر، وإذا بي أرى رجلاً اشبه برجال اليهود المتدينين الذين غالباً ما يفعلون ذلك، اي أنهم يحافظون على جديلتين متدليتين من جانبي الرأس: فهل كان ابو نواس يهودياً؟
لم أجد في مصادري من أشار إلى دين هذا الشاعر الكبير قط، باستثناء الإشارات إلى تهتكه وتغزله بالغلمان وحبه للقيان ولليالي الحسان، كما أني قد لاحظت بأن والد الشاعر كان عربيًّا، بينما كانت أمه إيرانية: فإذا كانت إيرانية، فما الذي يمنع من أن تكون سيدة يهودية؟ ولأن أطفال اليهود يتبعون ديانة أمهاتهم فيكونون يهوداً، فما المانع من أن يكون أكثر الشعراء العباسيين تحرراً ومجوناً وصراحة جنسية وحسية وحباً بالفكاهة وسرعة البديهية يهوديًّا؟ حاله حال العديد من مجايليه من رجالات “بيت الحكمة” الذين اضطلعوا بتعريب كنوز الأدب والثقافة العالمية لصالح دولة الخلافة العباسية، إذ كان منهم اليهود والمندائيون والنصارى من بين آخرين. أما أن يكون اسمه الأصلي هو “الحسن” وانه كان يكنى بـ”ابي علي”، فإن هذه الأسماء لا تمنع أن يكون الشاعر يهوديًّا، بل ربما كانت تستعمل للتغطية على هوية المرء الدينية.
للمرء أن يفترض ذلك وهو يستذكر حياة الشاعر الذي امتدح أخواله من الفرس البرامكة درجة إثارة غضب الرشيد، والذي آنس ولده الخليفة الأمين، ثم ولده الثاني المأمون، إلا أن الأكثر إثارة للتساؤل هو أن ابا نواس، بعدما حضرته المنية، دفن في مقبرة “الشوبنزية” عند تل اليهود” ببغداد.
وإذا كانت الثقافة العربية تتعامل مع بعض روادها من الكتاب والشعراء والمفكرين والمترجمين بالمفرط من التحامل والانحياز والتعمية، إن كان هذا البعض يهوديًّا، فإن علينا أن نستذكر من كبار شعراء الجاهلية شاعر الحكمة “السموأل” الذي كان يهوديًّا بينما كان بقية شعراء الجاهلية من الوثنيين والمشركين.
وتنطبق ذات الحال على الأدب العربي المعاصر والحديث، حيث يتجاوز مؤرخوه بعض الأسماء والنتاجات التشكيلية المهمة في ثقافتنا الحديثة لأنها كانت يهودية، على نحو متعام، كما فعلوا مع ملحن أجمل الأغاني العراقية المرحوم صالح الكويتي الذي كانت تبث أغانيه وألحانه البديعة دون الإشارة إليه، فقط لأنه يهودي: فما هذه الشوفينية!

إلى الأعلى