الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / قلق بان كي مون

قلق بان كي مون

كاظم الموسوي

”بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة منذ تسلمه المنصب في 1/1/2007 وهو يصرح بمفردة “القلق” عن كل ما يتوجب دورا فاعلا للأمم المتحدة فيه. ويكتفي في الإعراب عنه دون ان يمارس مهمته الفعلية ودور المنظمة الدولية في الحل والدعم والاعتبار. كاشفا بقلقه هذا الإقرار عن ازمة الدور والمكانة والأخلاق والقانون، لما آلت إليه المنظمة.”
ـــــــــــــــــــــ
يمثل أمين عام اكبر منظمة أو هيئة دولية تقود العالم بمؤسساتها الفاعلة والعاملة، سواء بشخصه أو بموقعه أو منصبه وقدراته الرسمية والقانونية، ميثاق المنظمة وأحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية. لا سيما في تصريحاته حول القضايا الدولية ذات الحساسية الخطيرة على الأمن والسلم الدوليين، موضوع تأسيس المنظمة. وهو كأي مسؤول دولي يراقب ويقول كلمته في مجريات الأحداث الدولية وما يحصل في المعمورة، لا سيما ما يتعرض له سكانها البشر. ولكن بكل أسف يمكن القول ان الامين العام الثامن، الحالي، بان كي مون (13 حزيران/يونيو 1944) لم يتميز عمن سبقه بهذا المنصب بعد انهيار النظام الدولي ذي القطبين وتفرد الولايات المتحدة الاميركية بقيادة العالم أو الهيمنة على ادارته، فهو خلف امين لأسلافه المتأخرين خاصة. ممن تمكنت واشنطن من تدريبهم وربطهم بإداراتها الخارجية وتحويلهم إلى ناطقين عن مخططاتها اكثر من مهامهم التي كلفوا بها وتقبلوها. كما لاحظ كثير من المراقبين والمتابعين ووسائل اعلام متعددة.
بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة منذ تسلمه المنصب في 1/1/2007 وهو يصرح بمفردة “القلق” عن كل ما يتوجب دورا فاعلا للأمم المتحدة فيه. ويكتفي في الإعراب عنه دون ان يمارس مهمته الفعلية ودور المنظمة الدولية في الحل والدعم والاعتبار. كاشفا بقلقه هذا الاقرار عن ازمة الدور والمكانة والأخلاق والقانون، لما آلت إليه المنظمة. اذ انه ملزم بحكم المنصب ان يكون امينا على ميثاق الأمم المتحدة ومسؤولا عن الامن والسلم الدوليين وليس موظفا لدى اصحاب المقر للمنظمة الدولية. وهو مطالب بحماية البشرية من أي عدوان وحرب وغزو واحتلال وقتل وإبادة وظلم وانتهاك. وهو القائل: “لقد نشأت في جو من الحرب، وشاهدت الأمم المتحدة وهي تساعد بلدي على التعافي وإعادة الإعمار. وكانت تلك التجربة إلى حد كبير الحافز الذي حدا بي إلى مزاولة مهنة في الوظائف العامة. وبصفتي أميناً عاماً، فإنني عاقد العزم على أن أرى هذه المنظمة تحقق نتائج ملموسة وذات مغزى تمضي قدما بمسائل السلام والتنمية وحقوق الإنسان”. فهل التزم بما صرح به، وهل أسهم في تحقيق نتائج ملموسة؟!. والعالم اليوم مشحون بالكثير من القضايا المهمة والخطيرة على الأمن والسلم الدوليين وحياة البشرية. فأين مكانه منها وكيف يتوجب عليه شخصيا والمنظمة الدولية التعبير ودرء الخطر عنها والعمل على إعادة الثقة والبناء والتنمية والحقوق المشروعة؟!.
النظر إلى اية قضية ساخنة اليوم في العالم يوصل إلى ان الامم المتحدة لم تسهم في حلها وإعادة الاعمار فيها بالدرجة المنشودة وبالأمر المطلوب، بل قد تكون هي من عوامل الإضرار فيها أو التجني عليها بشكل من الاشكال. وما زالت بعض القضايا الملتهبة اكثر سخونة في كل منها دون ان تساعدها الأمم المتحدة بما يتطابق وميثاقها والقانون الدولي. بينما يلاحظ الدور الاميركي والأوروبي المهيمن واضحا ومكشوفا الى درجة التواطؤ والتخاذل والإخفاق في تطبيق الميثاق او القانون الدولي. واستمرار القلق والأسف من قبل الامين العام لا يغير في المعادلات القائمة ولا يحلها بما يتفق والمصالح الحيوية للشعوب والأمم. كما ان القلق وحده غير كاف او واف ازاء فداحة الارتكابات والإرباكات والانتهاكات المعروفة والمعلنة رسميا وبصمت الأمم المتحدة أو بتغافل مخجل ومريب. وصولا إلى الاستهانة بمكانتها والاعتداء على مؤسساتها أو موظفيها أو العاملين تحت لوائها وعنوانها واسمها.
ازاء ذلك وجهت انتقادات له من قبل عديد من السياسيين والناشطين والموظفين الدوليين، من بينها، اتهام، من مسؤولة مكتب خدمات المراقبة الداخلية المكلف بمكافحة الفساد في الأمم المتحدة، إينغا بريت الينوس، في تقرير لها بـ “إعاقة عامة”، وخاطبته بالقول بأن أعماله “ليست مؤسفة فقط، بل تستحق العقاب”.
من جهتها انتقدته منظمة “هيومان رايتس ووتش”، في تقريرها السنوي لعام 2010 بشدة، وبـ”الفشل في الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول ذات الأنظمة القمعية”، ما دفع مكتبه للدفاع عنه موضحا، أن الامين العام استخدم “الدبلوماسية الهادئة كما أنه مارس ضغوطا من أجل وقف هذه الانتهاكات”. (رغم ان المنظمة ذاتها تلعب دورا مزدوجا في احايين كثيرة وتتخذ مواقف متناقضة ايضا من قضايا الانتهاكات والدول التي تقوم بها، وخاصة من حلفاء الولايات المتحدة الأميركية او الراضية عنهم واشنطن).
اما في القضية التي تشغل العالم الآن، قضية الارهاب الدولي، وما تتبناه الامم المتحدة بشأنها، فالملاحظ لحد الآن غموض مواقف الأمم المتحدة ازاء القرارات التي صدرت عنها وقلق الامين العام امامها، ولم تخرج المنظمة بما يتطابق وضرورة العمل بها، لا سيما في الاتفاق على تعريف الارهاب ومحاربة مصادره، ومحاسبة البلدان الممولة والداعمة له، ولقواه ومنظماته التي باتت معلومة بأسمائها وارتباطاتها، وشخّصها بعناوينها مسؤولون رسميون من الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ولكن باستخدام دبلوماسية ناعمة معها. ورغم ذلك سمحت المنظمة لها بعضوية منظمتها لحقوق الإنسان مثلا او غيرها من المنظمات أو التغاضي عنها، محاباة للموقف الاميركي الخبيث امام ما يجري ببشاعته وإساءاته للميثاق والقانون الدولي، وهذه مسألة تستدعي السؤال والمحاسبة. اذ إن مثل هذه الاجراءات تغطي على الجرائم المرتكبة وتهرب عن المسؤولية القانونية او تشارك المنظمة في افلاتها من العقاب القانوني والأخلاقي. وهذا ما يبطل قلق بان ويحمله شخصيا تبعاتها.
المطالب الكثيرة بالتغيير والاصلاح للمنظمة وميثاقها وفعاليتها مطلوبة الآن اكثر، وهي بحاجة لها. كما هي الحاجة الآن إلى تنفيذ ميثاقها الحالي والقانون الدولي وتحدي طغيان الولايات المتحدة وحلفائها وفضح كل ما يتعارض مع ذلك من سياسات وإجراءات لا تخدم الأمن والسلم الدوليين، حماية للبشرية من الحروب والإبادة والعدوان وإيقاف انتهاك حقوق الانسان ونهب الثروات وتدمير معالم الحضارات والثقافات الانسانية. ان العالم كله يعلم جيداً، من يعمل من أجل الأمن والسلم الدوليين، والقانون الدولي، ومن يدعم الإرهاب ومن يكافحه. وما على الأمين العام للأمم المتحدة إلا الجرأة والموقف السليم وخشية احكام التاريخ والقانون والضمير.

إلى الأعلى