الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / لا يغرنك ما يذاع: الرجع الموجع

لا يغرنك ما يذاع: الرجع الموجع

أ.د. محمد الدعمي

لم يخلو قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات المسلحة من سوريا من البعد النفعي المصلحي، إذ كانت آثار هذا القرار واضحة للعيان من لحظة إصداره: فقد اجتاحت القوات التركية الإقليم الشمالي من الشقيقة سوريا (حيث الأغلبية السكانية الكردية) بهدف معلن، وهو تشكيل شريط أمني يمتد لثلاثين كيلومترا على طول الحدود داخل سوريا للحفاظ على أمن الداخل التركي من “المتمردين” على اختلاف أشكالهم، كردا، أو دواعش!
ونظرا لما عهدته عليه الدوائر السياسية في واشنطن من “نزق” سلوكيات الرئيس ترامب في اتخاذه قرارات اندفاعية من النوع أعلاه، إلا أن خذلان الكرد (الذين تعاونوا مع القوات الأميركية لدحر الدولة الإسلامية هناك) قد تسبب في ردود أفعال سالبة قوية هناك: فقد وصف البعض القرار بأنه “خطأ استراتيجي” ستدفع واشنطن أثمانه غالية على المستويين المتوسط والبعيد!
وقد ذهب آخرون إلى أن قرار الرئيس أعلاه إنما يعني انهيار الثقة بأي تحالف أو تفاهم بين أي فريق دولي آخر (سوى الكرد)، وبين الولايات المتحدة، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك على التزام الأخيرة بما عاهدت عليه من مواثيق! والأدهى كان قد تجسد في تعجيل الحكومة التركية إجراءاتها، ليس فقط لتشكيل الشريط الحدودي الأمني أعلاه، بل كذلك لاستبدال سكان هذا الشريط الغني والمهم، بسكان جدد لا صلة تربطهم بالكرد، وبكلمات أخرى، ستعمل تركيا على استبدال البنية السكانية الأصل من خلال “توطين” سوريين عرب بديلا عن الكرد. وهذا، بكل تأكيد، هو المعنى النهائي لما يطلق عليه عنوان “التطهير العرقي”. بل هو ما قاد إلى “فقدان العصب” بين العديد من أعضاء الكونجرس في واشنطن، خصوصا وأنه لا ينطوي فقط على خذلان “الحلفاء الكرد”، ولكنه ينطوي على المغامرة ببقائهم على أرضهم التي استقروا عليها منذ آلاف السنين.
وإذا كان الرئيس ترامب قد أقدم على مناورة لفظية مفادها الطلب من تركيا عدم الاندفاع أعمق على حساب الكرد، إلا أن النتائج النهائية من منظور الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنما تتلخص في “مهلة” قصيرة Pause، تتوقف خلالها القوات التركية في الاندفاع نحو الداخل السوري. علما أن هذه “المهلة” لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغير أو تحوّر من بلوغ أهداف تركيا الأساس في حماية أمنها القومي مما تراه ميليشيات كردية “إرهابية”! لذا، فالنتيجة النهائية تكون: بقاء أنقرة حليفة لواشنطن على حساب الكرد: فلا يغرنك ما يذاع من أنباء وتحليلات!

إلى الأعلى