الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / بوتين يتزعم العالم

بوتين يتزعم العالم

فوزي رمضان
صحفي مصري

إذا أردتم حل الأزمة السورية، أو رغبتم في السلام بالشرق الأوسط، ومتى تعوزكم الوساطة النزيهة، عليكم اللجوء إلى روسيا، حيث ضل العملاق الأميركي طريقه، وأصبحت الدبلوماسية الروسية تمتلك كل خيوط اللعبة. باتت روسيا الآن الوسيط الدولي صاحب النفوذ، بعدما انهارت سمعة أميركا في الشرق الأوسط، بوصفها حليفا لا يعتمد عليه، بعدما تخلت عن الأكراد في سوريا، وقبلها تخلت عن العدل في القضية الفلسطينية.
بوتين لديه الآن قناعة شخصية بأنه وحده يمتلك مفاتيح أبواب الحلول لمشكلات الشرق الأوسط المعقدة، وأنه وحده لديه العلاقات القوية مع أطراف النزاع جميعها، يمتلك التأثير حتى على الداخل الإسرائيلي ذاته، حيث أصبح اللوبي اليهودي الروسي القوة السياسية والاقتصادية الأكثر نفوذا، ولدى بوتين مليون و300 ألف إسرائيلي من المهاجرين الروس، يتحدثون لغة وحنين وطنهم الأم. نحن نعيش الآن حقبة بوتين؛ رجل المخابرات الثعلب الداهية، الذي يعكس كل ملامح شخصيته وأحلامه وهواجسه وصلابته على السياسة الروسية الواثقة الصلبة.
بوتين .. استخف به كل قادة الغرب، وجعلوا من روسيا دولة معزولة منبوذة، وصفها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بأنها مجرد قوة إقليمية، وهي القوة العظمى قبل أميركا، فرضوا عليه عقوبات اقتصادية لتركيعه عندما ضم شبة جزيرة القرم عام 2014، ولأنه لاعب الشطرنج الماهر، بات يكسب الجولة تلو الأخرى، وتحول النفوذ الروسي في الشرق الأوسط تحولا صارخا، فبعد أربع سنوات من إطلاق موسكو لعمليتها العسكرية في سوريا أصبحت تستحوذ على الدور القيادي، وباتت اللاعب الأمهر في المنطقة رغما عن واشنطن.
روسيا في سوريا… صاحبة اليد الطولى والفعل الموجع، لذا فإنها لن تسمح باشتباكات بين القوات التركية والجيش العربي السوري، وهو ما يعني أن بوتين هو الذي يحدد مدى نجاح أو فشل العملية العسكرية التي يقودها أردوغان.. بوتين من ساعد الجيش السوري للوصول إلى الحدود التركية، بعد انسحاب القوات البرية الأميركية وتدمير قواعدها الاثنتي عشرة، بعد فشل مشروعها في سوريا.. وبدون روسيا ما بسط الجيش السوري نفوذه على عين العرب ومنبج والحسكة والقامشلي وشرق الفرات، حيث منابع الغاز والنفط ومخزون القمح الاستراتيجي لسوريا.. بوتين ساعد في تسليم الأكراد أسلحتهم للجيش السوري، ليكونوا تحت مظلته، وباتت روسيا هي الضامن والمتعهد لأية اتفاق يوقع لطرف الدولة السورية.
تراجع نفوذ ترامب على أنقرة فتح الباب أمام بوتين لضم تركيا إلى خندقه، ما يزيد ويعمق الخلاف داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) ذاته، وتبقى زيارة أردوغان إلى روسيا لمقابلة بوتين، والتي تمهد الطريق ـ حسبما تؤكد الدوائر السياسية ـ للقاءات سورية ـ تركية مباشرة تحت إشراف الروس، معلنا بوادر انفراج الأزمة السورية وانتصار الجيش العربي السوري، وبسط نفوذه على أراضيه، وعودته إلى أحضان جامعة الدول العربية، خصوصا بعد زيارة بوتين إلى السعودية، لضلوع الرياض في حل قضايا المنطقة، ومنها الحل في سوريا، كذلك زيارة الإمارات والتشاور حول استقرار أسعار النفط والمنطقة، وتوقيع عشرات الاتفاقيات المختلفة التي تعزز التعاون الروسي ـ الخليجي.
ومع صعود نجم بوتين.. تتجه أنظار العالم حاليا إلى روسيا، حيث تنعقد القمة الروسية ـ الإفريقية، والتي تعد الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين روسيا ودول إفريقيا، وبرئاسة مشتركة بين فلاديمير بوتين والرئيس المصري رئيس الاتحاد الإفريقي عبد الفتاح السيسي. يحضر القمة أكثر من 40 رئيسا إفريقيا وهيئات اقتصادية كبرى، لتشهد انعقاد المنتدى الاقتصادي الروسي ـ الإفريقي الأول، وقد جاء الانطلاق والانفتاح الإفريقي نحو الروس؛ كونهم لم يستعمروا إفريقيا، وبالتالي لا يمكن ان يتصرفوا بطريقة محبطة، مثلما تتعامل القوى الغربية معهم، وتستنفد وتنهب وتسرق مواردهم.
أبرمت روسيا 20 اتفاقية تعاون عسكري مع دول القارة، وباتت شريكا مؤهلا للتعاون في مكافحة الإرهاب، لما لديها من الخبرة المكتسبة خلال حروب الشيشان، ومع تزايد الدور الروسي المحوري، وقدرته على الوساطة بين دول الصراع، تتأهل روسيا لتكون وسيطا دوليا بين مصر وإثيوبيا، لحل الخلاف حول سد النهضة، والخطر الذي يهدد الأمن المائي المصري، وبلقاء الرئيسين المصري والإثيوبي على هامش القمة، يعد في حد ذاته خطوة أولية جيدة تشهد إطلاق المبادرة الروسية لوأد الخلاف.
كلما سحبت أميركا قدمها خطوة احتلتها روسيا، وكلما انسحبت من قضية شغلتها روسيا، التي تتقدم في ثبات نحو دبلوماسية محنكة هادئة، تضرب بغير صوت وتحل بغير ضجيج.. بات بوتين مرشح الدول المظلومة لزعامة العالم، حيث يمتلك ثلث أصوات العالم باحتضانه الأفارقة، ويحصل على مكاسب اقتصادية بإنصاف العرب، ويتكتل مع العملاق الصيني ليقوى اقتصاديا.. إن بوصلة العالم تتجه نحو طرف القوي الآخر، في حين تمرض القارة البيضاء وتشيخ، وتتقلص أميركا وتنزوي، وتتضخم روسيا وتتزعم.

إلى الأعلى