الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / إعادة انتشار.. مع بقاء الخطر والأشرار

إعادة انتشار.. مع بقاء الخطر والأشرار

علي عقلة عرسان

للاجتماع الذي عقد يوم الثلاثاء ٢٢ تشرين أول/أكتوبر الجاري بين بوتين وأردوغان في سوتشي أهمية خاصة فيما يتعلق بالوضع في شمال شرق البلاد “سوريا”، لا سيما في مناطق منبج وعين العرب التي أصبحت تحت سيطرة الجيش العربي السوري، ومناطق انتشاره الواقعة والمتوقعة على الحدود السورية ـ التركية بين اليَعربية ورأس العين من جهة، وتل أبيض وجرابلس من جهة أخرى، ثم استكمالا إلى كسب وشاطئ البحر الأبيض المتوسط.
ودخول روسيا المُبكر النَّشط على خط الأحداث الأخيرة، بعد انسحاب المحتل الأميركي من مناطق سورية وإخلائه لعدد من قواعده، وتنسيقها المستمر مع أنقرة ودمشق سياسيا وميدانيا، منع الصدام بين الجيشين التركي والسوري، وسيسهم في الوصول إلى تفاهم يضمن وحدة الأراضي السورية كافة، وعدم بقاء أي احتلال تركي لأية أرض سورية. لقد أعلن الرئيس التركي رجب أردوغان “إن تركيا ليس لها مطامع في أراضي أي دولة، مؤكدا أنه سيتخذ الخطوات اللازمة بشأن سوريا بعد اجتماعه يوم الثلاثاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.”(المصدر: الأناضول ـ عن آر. تي في ٢١. أكتوبر ٢٠١٩) وكان قد أعلن في وقت سابق: “أنه لا أطماع لتركيا بالأرض السورية، وأن وجودها فيها مؤقت، وسينتهي بالتوصل لحل سياسي”. وفي سياق ذلك التحرك أكَّد وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف: “أن موقف بلاده ثابت وهو رفض وجود أي تشكيل عسكري مسلح غير شرعي على الأراضي السورية، وقال يوم الاثنين ٢١/10 “إن روسيا مستعدة لتشجيع التواصل المباشر بين الأطراف المعنية في سوريا وفق اتفاق أضنة، وكذلك مساعدة الأكراد والحكومة السورية على الحوار المباشر.” (المصدر: وكالات/ آر. تي في ٢١/١٠/٢٠١٩).
ونأمل أن يتمكن الروس من منع أي تنافس محتمل بين قوى أجنبية في موجودة في سوريا على إنشاء قواعد عسكرية وتعزيز وجود عسكري هناك، لا سيما بين تركيا وإيران.. وسبب هذا التخوف ومصدره أنه في يوم الاثنين ٢١ تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٩ قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي من طهران في مؤتمر صحفي: “نحن ضد إنشاء أنقرة لمراكز عسكرية في سوريا… يجب حل القضايا بالوسائل الدبلوماسية… يجب احترام سلامة أراضي سوريا.. ونؤكد أن الحل يكمن في الالتزام بالاتفاقيات الموقعة”.. وجاء هذا بعد إعلان تركيا عن عزمها على إقامة تسع نقاط مراقبة في المنطقة المُسماة “منطقة آمنة” بالاتفاق مع الأميركيين، قد تتحول أو يتحول بعضها أو تقام إضافة إليها قواعد عسكرية تركية. لأن تصريح موسوي يشير إلى إمكانية نشوء صراع بين الدولتين يفضي إلى تسابقهما على تعزيز وجودهما ونفوذهما في سوريا. وإذا ما حصل شيء من هذا ـ لا سمح الله ـ فإنه سيصب حتما في الفتنة “الطائفية ـ المذهبية والعرقية” التي أزهقت أرواحا بريئة، وسممت أنفسا وعلاقات.. وسيدخلنا هذا في صراع بين جيوش وقوى ما زالت موجودة على أرضنا، وسيكون انعكاسه علينا دمويا، ويجري على حساب وطننا ومواطنينا وسيادتنا وأمننا واستقرارنا، ويدخلنا في دوامات صراع في أرضنا، تنهكنا وتحتطبنا، في الوقت الذي ننتظر فيه الخروج من الدوامات الدموية المستمرة منذ تسع سنوات. وسيحمل خطورة شديدة ويزيد من معاناة السوريين بتأخير التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، ينهي حالة الحرب والصدامات المسلحة والوجود الأجنبي في سوريا، لتبدأ مرحلة إعادة البناء وعودة المهجرين والنازحين إلى ديارهم.
وإذا أضيف إلى هذا عدوان “إسرائيل” المستمر، واستباحتها للأجواء والمواقع السورية بذريعة الحد من تمدّد إيران ومنعها من الوصولها إليها عبر سوريا فإننا سنقف على مدى ما تنطوي عليه هذه المعطيات من خطر.. حيث أعطى الأميركيون لهذا الوضع العدواني دفعا جديدا على لسان الوزير بومبيو الذي قال يوم الأحد ٢٠/10/٢٠١٩، مطمئنا كيان الإرهاب والعنصرية “إسرائيل”، بعد أن روجت حملة ابتزاز بادعاء تخوفها من نتائج انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من شمال شرق سوريا عليها، وما روجته من “غدر بالأكراد” قد يرتد غدرا أميركيا بها، فقد أكد لهم بومبيو أن: “إدارتنا كانت جد واضحة في هذا الموضوع. لإسرائيل الحق في العمل بهدف الحفاظ على أمن مواطنيها.. هذا هو الأمر الذي يقبع في أساس الدولة القومية ـ هذا ليس حقها بل واجبها”.. ومما لا شك فيه أن هذا ضوء أميركي أخضر لدولة العنصرية والإرهاب لتقوم بمزيد من العدوان على سوريا وباستباحة أجوائها وما تشاء من مناطق فيها.. لقد طمأن بومبيو العنصريين الصهاينة حلفاء بلاده العضويين إلى عدم غدر الولايات المتحدة الأميركية بهم، والتزامها بأمنهم وحمايتهم حيث قال لهم: “لا يوجد أي تخوف من أن يحصل شيء كهذا. فعشرات السنين من التاريخ تؤيد ذلك، والسنتان والنصف الأخيرتان اللتان كان فيهما ترامب في البيت الأبيض تؤيد ذلك أيضا. إن شبكة العلاقات بيننا قوية، عميقة، تمثل العلاقات بين الدولتين التي تقوم على أساس قيمنا المشتركة، ومصالحنا الأمنية المشتركة والعبء الذي نتحمله معا”.(٢١/١٠/٢٠١٩ عن معاريف ويديعوت أحرونوت).
إنَّ في سَحبِ ترامب لقواته من بعض المناطق في شمال شرق سوريا، وما تبع ذلك من إعلان عن سحب قوات بريطانية وفرنسية وغيرها من قوى التحالف الدولي مِن سوريا.. إن في ذلك تخفيفا من وطأة الاحتلال، وتقليلا لعدد المناطق المحتلة، وإبعادا لشبح الانفصال والتقسيم، ومن نتائجه سيطرة الجيش العربي السوري على مناطق واسعة لم يكن يسيطر عليها.. لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال نهاية للاحتلال والأطماع والشر، ولا دفنا نهائيا لمشروع التقسيم الذي تعمل عليه الصهيونية والغرب لبلدان الوطن العربي ومنها سوريا والعراق، ولا نهاية أبدية لإقامة دولة للأكراد على حساب وحدة البلدين سوريا والعراق أرضا وشعبا، ولا يعني تخفيفا لوطأة الاحتلال والنفوذ الأجنبي في وطننا العربي، فهو ينقص في مواقع ويزيد في مواقع، ويزداد حضورا وخطورة على واقعنا ومستقبلنا.. فالاحتلال كله شر والصهيونية والولايات المتحدة الأميركية رأس الشر.. وسياسات العنصري ترامب وسواه لا تخرج عن هذه الدائرة.. في ضوء هذا أرى أن نقرأ قراراته الأخيرة المتعلقة بإعادة انتشار قواته في سوريا والعراق، واتفاقه مع تركيا حليفه في الناتو.
لا أظن أن ترامب غيَّرَ جلده أو يمكن أن يغيِّرَ جلده، لكنه غير بعض حساباته وبعض مواقفه لأسباب:
١ – خارجية تتعلق بأمن النفط في منطقة الخليج العربي، والموقف من إيران. وبعلاقته مع حليفه التركي الذي يشكل حدود الناتو مع روسيا الاتحادية، ويتحرك في محاور سياسية مقلقة له ولحلفائه في الحلف إذ يتقارب مع روسيا وينشط في مناطق كثيرة.
٢ – وداخلية أميركية بعد أزمته الأخيرة مع الكونجرس، وبداية الإجراءات الممهدة لإقالته بسبب ما سموه “الفضيحة الأوكرانية، أي المحادثة مع بيلينسكي”، وقرب دخول العام الانتخابي.
إن ترامب في تغريداته وأحكامه وقراراته الأخيرة يعيد ترتيب مواقف وأوراق وأولويات لتعزيز علاقات مع الأصدقاء في الخارج، وحشد مناصرين له في الداخل.. ولذا بدا كمن تذكر وعوده الانتخابية، وراجع حساباته المادية ـ المالية في ضوء الربح والخسارة، ونظر نظرة فيها ريبة لبعض اليهود الذين أعطاهم ما أعطاهم ولم يقفوا معه كما ينبغي أن يقفوا، في الأزمة الأخيرة، بل كانوا دائما رجْلُهم في المهماز يلبطونه فيتحرك.. لقد رفع ورقة بوجه ساسة وسياسة كان يتململ منها ولكنه يتابعها، فأرسل ألفي جندي للسعودية، ونشر الألف الذين سحبهم من سوريا في العراق وفي بعض بلدان الخليج العربي.. نعم لقد أعاد الانتشار لكن الأشرار بقوا في الدار وبقيت فيها كثير من المخاطر والأسرار.. لقد قلص مناطق احتلاله في سوريا لكنه لم يخرج منها، فقد أبقى المئات من الجنود الأميركيين لحماية حقول النفط، أحد أهم أهداف بلاده، وأبقى على قواعد عسكرية أميركية في: “رميلان، تل بيدر، الحسكة، الشَّدادي، وقاعدة التنف على الحدود العراقية السورية الأردنية، وهي القاعدة الأميركية الأكبر في سوريا”.(المصدر: RT)، كما أبقى الكرد تحت مظلته وأدواتٍ بأيدي بلاده تدغدغ أحلامهم وتستخدمهم، وأبقى سجناء داعش في معتقلات تحت إشراف جيشه للتلويح بخطرهم وإطلاقهم عند الحاجة إليهم.. فبلاده راعية الإرهاب والمستثمر فيه، وهي مَن أنشأته كما صرح بذلك ترامب إذ قال: “أوباما وهيلاري كلينتون أوجدا داعش”.
لقد كشف “أو اكتشف؟!” حقيقة أن بقاء بلاده وحربها في سوريا نوعٌ من عبثٍ وامتدادٌ لعبثٍ مكلف لا مرابح من ورائه، بدأ بالعدوان الوحشي على العراق عام ٢٠٠٣ وتدميره واحتلاله ونشر الفوضى والتأسيس لداعش فيه، بادعاءات كاذبة وافتراءات مكشوفة، وبسبب سياسات وأفعال آخرها ما فعله أوباما وما فعلته هيلاري كلينتون. ورأى أن حليفه التركي محقٌّ، فهو اشترى منظومة إس ٤٠٠ الروسية لأنه لم يحصل على الباتريوت، وأنه لم يتوصل مع الإدارة الأميركية إلى اتفاق بشأن الكرد المسلحين والمنطقة الآمنة.. فقرر الاتفاق مع أردوغان، وقال إن “الكرد ليسوا ملائكة”، وإنه أعطاهم ـ وهو أحد حمَلَة مورثات التاجر اليهودي شايلوك ـ مليارات الدولارات وكميات هائلة من الأسلحة” و”إن حزب العمال الكردستاني إرهابي يضاهي خطرُه خطرَ داعش”، و”إن أميركا لم تتعهد بحماية الأكراد إلى الأبد”.. قد تكون هذه مؤشرات على يقظة “ترامبية” من نوع ما، واستشعارا لمدى التسميم الذي ضخته وما زالت تضخه الصهيونية في إدارته على يد كثيرين آخرهم جون بولتون.. فاتخذ ما اتخذ من قرارات وإعادة انتشار قواته في المنطقة، وأعلن أنه بتوصله لهدنة المئة والعشرين ساعة مع أردوغان قد أنقذ الأكراد ولم يغدر بهم، وكسب مناصريهم في الداخل الأميركي، وأبقى أسلحتهم في مواقع احتياطية لهم في شمال العراق.. وصرح بأنه استجاب لطلب “إسرائيل” والأردن الاحتفاظ ببعض القوات الأميركية في سوريا، “لذا فإن عددا محدودا من الجنود الأميركيين سينتشر على الحدود مع الأردن بينما يقوم جنود آخرون بحماية حقول النفط. وإن بلاده “ستعمل على شيء” مع الأكراد في شرق سوريا لضمان حصولهم على دخل من النفط السوري. وسترسل شركة نفط أميركية إلى هناك للمساعدة”.؟! هذا هو ترامب الذي لم يتعافَ ولن يتعافى من عنصريته وصهيونيته وأطماعه، فذلك كله في صلب تكوينه العميق وشخصته المعتقة. لا يمكننا أن نسمي تلك “صحوة متأخرة جزئية من نوع ما”؟! إنما هي أقرب إلى أن تكون تحركات وصرخات شخص يُخْنَق أو ما يشبه “فَوقات” شخص في نَزْع يغالب الموت، ولات حين مناص.. ففي ما أثير ضده أخيرا من قضايا استدعت اتخاذ الكونجرس قرارا بفتح تحقيق واتخاذ إجراءات لعزله، نوعٌ من إماتة سياسية إذا لم تكن بالعزل، فستكون في إضعاف حظوظه بالفوز في انتخابات عام ٢٠٢٠ وهزيمته أمام بايدن أو غيره من الديمقراطيين.
بالتأكيد أننا لن نأسف على سقوط ترامب حين يسقط، ولن نذرف دمعة واحدة عليه إن مات.. ولن نذكره إلا بعنصريته البغيضة، وعدائه للمسلمين، واحتقاره لشعوب ودول ومواطنين وملونين، ورفعه راية تمييز البيض من الأميركيين في عودة إلى العزل العنصري “الأبرتهايد”، ولن ننسى بحال من الأحوال تدميره لبلدنا سوريا ومن شواهدها مدينة الرّقة المدمرة على رؤوس الكثيرين من المدنيين السوريين، ولا يمكن أن ننسى صهيونيته وعنصريته الإجرامية البغيضة، وحماقاته السياسية المدوية التي كان على رأسها “اعترافه بالقدس عاصمة لدولة العنصرية والإرهاب “إسرائيل”، وإعلانه عن تأييد ضم الجولان العربي السوري المحتل إليها.. ولا نهبه لثروات بلدان وشعوب على رأسها بلدان عربية.
لقد حقق الاتفاق الأميركي ـ التركي يوم ١٧/١٠/٢٠١٩ أهداف تركيا في إبعاد الكرد المسلحين عن الحدود وإقامة “المنطقة الآمنة” التي يسعون لإقامتها، لكنه لم ينه المشروع الكردي وحلم الكرد بدولة نهائيا.. والسلاح الأميركي الثقيل الذي كان بين أيدي الكرد بقي في خدمة مشروعهم ونُقل إلى شمال العراق، وسيتحركون في يوم ما نحو مشروعهم الانفصالي القائم في التفكير والتخطيط الصهيو ـ غربي، وتعمل عليه “إسرائيل” ويدفع باتجاهه الأميركيون والأوروبيون. نعم يمكن القول إن تركيا أوقفت مشروعهم في سوريا وحدّت منه، لكنه لم يلغ، فإقامة إسرائيل ثانية في شمال شرق سوريا أو في امتداد إلى منطقة سنجار مشروع صهيوني ـ غربي قيد التنفيذ.. لكن متى فذاك رهن الظروف؟!. وقد حقق الأميركيون بالاتفاق بينهم وبين الأتراك شعورا بحماية حلفائهم الكرد وأنهم “لم يخذلوهم ولن يفعلوا”. وبموجب الاتفاق انسحب الكرد صاغرين، وسلموا أسلحتهم الثقيلة للأميركيين، وحقنوا دماء كثيرة كان يمكن أن تُراق، وارتفعت أصوات بينهم تقول إنهم سوريون.. ودخل الجيش العربي السوري منبج وعين العرب والقامشلي ومناطق ما كانوا يسمونه “روج آفا، أو كردستان الغربية، أو الفيدرالية، أو منطقة الحكم الذاتي”.. واستعادت سوريا السيطرة هناك واطمأنت إلى وحدة الأرض والشعب، وتم ذلك بتوافق ودون قتال نتيجة هزيمة الكرد على يد الأتراك، وبمساعدة من روسيا الاتحادية، وتحقق لسوريا ما كانت تتطلع إلى تحقيقه هناك من دون قتال.. وفي معطيات الاتفاق وهدنة المئة وعشرين ساعة أعلنت أطراف عدة: “انتصار أردوغان، وانتصار ترامب بعين مؤيديه وحلفائه، وانتصار الرئيس الأسد الذي أعلن أنه استعاد السيطرة على مناطق شاسعة من البلاد كانت خارج حدود السيطرة، وأنه سيتصدى للاحتلال التركي..”.. لكن معطيات ذلك كله ومدى استمرار نشوته لدى كلِّ الأطراف، رهن بالأيام القادمة التي ستحدد النتائج النهائية، فما زال القدر على النار، وما زالت النار تؤزُّ تحتَه.
والله المُسَلِّم.

إلى الأعلى