الأحد 17 نوفمبر 2019 م - ٢٠ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / السياسة والغاز الطبيعي وزيادة الطلب العالمي

السياسة والغاز الطبيعي وزيادة الطلب العالمي

علي بدوان

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الطلب العالمي على الغاز الطبيعي يزداد يوما بعد اليوم، خصوصا من قبل دول الاتحاد الأوروبي، ومعها الصين الشعبية والهند واليابان وغيرها من الدول الكبرى المستهلكة للطاقة في العالم، فيما تضغط الإدارة الأميركية على دول الاتحاد لدفعها للتخلي عن شراء الغاز الروسي بالرغم من خطي الإمداد اللذين تم إنجازهما من سيبيريا باتجاه القارة الأوروبية (خط الشمال وخط الجنوب)، واستبداله بالغاز الصخري الأميركي (وهو أكثر ثمنا وأقل جودة من الغاز الروسي). وبحسب أرقام عام 2018، زادت صادرات الغاز الروسي نحو أوروبا لتحقق أرقاما قياسية، وبعد تشغيل مشروعي (نورد ستريم2).
يصنف الغاز الطبيعي (غاز الميتان) باعتباره من مصادر الطاقة النظيفة نسبيا، قياسا للنفط السائل، حيث تنخفض نسبة انبعاث غاز أول وغاز ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن احتراقه، فضلا عن سهولة نقله وتحريكه عبر أنابيب النقل لتزويد المنشآت والمنازل به في المدن.
إذًا، الطلب العالمي على الغاز الطبيعي يرتفع منذ العام 2017 بنسبة سنوية تقارب 3,3%، ليزيد الاستهلاك عن ثلاثة آلاف وأربعين مليار متر مكعب، وقد عمدت جمهورية الصين الشعبية على سبيل المثال إلى زيادة استهلاك الغاز بدل الفحم لتوليد الكهرباء الضرورية لصناعاتها، بهدف تخفيف حدة التلوث، والحد من الهجوم الخارجي عليها، وخصوصا من الولايات المتحدة، باعتبارها من الدول التي تتسبب في احترار الغلاف الجوي، فارتفع بذلك الطلب على الغاز الطبيعي في الصين الشعبية بنسبة 15% سنة 2017، كما ارتفع استهلاك الغاز في الوطن العربي وفي إفريقيا، وزاد من حجم استخدامه لتوليد الطاقة الكهربائية، بسبب رخْص سعره (مقارنة بالنفط) وانخفاض حجم التلوث عند استخدامه، ويتوقع أن يتواصل الطلب القوي على الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة، حتى منتصف القرن الحادي والعشرين، قبل أن تحل محله الطاقة البديلة، المستدامة، والنظيفة (الشمس والرياح والمياه…)، والتي يتطلب الحصول على الطاقة إياها، تطور تقنيات الاستخدام والتحويل والاستثمار، وهو رهن السنوات القادمة مع القفزات العملية المتوقعة في هذا الميدان من البحث العلمي في شؤون تقنيات الطاقة النظيفة واستثمارها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفي سياق تخبطاته اليومية في إدارة الملفات المتعلقة بسياسات الولايات المتحدة الأميركية الخارجية، بما فيها الاقتصادية والتجارية، يضغط على المنظمة الدولية لتصدير النفط والغاز، المعروفة بمسمى منظمة “أوبك” لكسر قواعد المنظمة التي تُحدّد حصة كل دولة من الإنتاج، وزيادة الإنتاج، بهدف تعويض الإنتاج الإيراني الذي يخضع للعقوبات الأميركية، وبهدف خفض سعر برميل النفط الخام، لكي يستأثر النفط الصخري الأميركي بمزيد من الخاصيات التنافسية في السوق الدولية، وبذلك يتدخل الرئيس دونالد ترامب في عمل آليات السوق، وابتزاز حتى الشركاء الأوروبيين ودول منتجي النفط والغاز وتهديد المنافسين والخصوم.
وفي هذا السياق، تصدر الجزائر الجزء الأكبر من إنتاجها للغاز الطبيعي (غاز الميتان) إلى قارة أوروبا، وبتكلفة نقل معقولة نتيجة قصر المسافة بين الجزائر ومعظم دول الغرب الأوروبي، وهو ما يزعج الإدارة الأميركية كما في الحالة الروسية التي تتذمر منها واشنطن. حيث تعد الجزائر أحد أكبر مزودي الغرب الأوروبي بالنفط، والغاز الطبيعي على وجه الخصوص، إذ تأتي بعد روسيا في تزويد تلك الدول بالغاز الطبيعي، ومنها إيطاليا وفرنسا وغيرها، حيث تستورد أوروبا الغربية قرابة 30% من حاجاتها من الغاز الطبيعي من الجزائر، عبر ثلاثة خطوط أنابيب، فيما تستقبل إيطاليا نحو 60% من الغاز الجزائري المصَدّر إلى أوروبا، تليها إسبانيا بنحو 20%، وفرنسا 12%، ثم البرتغال 7%، وسلوفينيا 1%. ويتوقع الخبراء والمتابعون، أن تخطو الجزائر خطوات كبيرة جدا على صعيد تطوير حقول الغاز والنفط على امتداد الجغرافية الجزائرية، حيث ما زالت الأرض الجزائرية “أرضا بكرا” بالنسبة للثروات الطبيعية ومنها النفط والغاز على ضوء اتساع تلك الجغرافيا، وبقاء الجزء الأكبر منها دون مسح للثروات المكتنزة.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة تعتبر أكبر منتج عالمي للنفط، حيث تنتج نحو 11,1 مليون برميل يوميا، وتنتج روسيا نحو 11,07 مليون برميل يوميا، والسعودية 10,7 مليون برميل يوميا، ولكن الولايات المتحدة تحتل المرتبة الأولى أيضا بخصوص الاستهلاك بنحو 20,41 مليون برميل يوميا، أو قرابة 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي، وتستورد نحو ثمانية ملايين برميل يوميا، وتُصَدِّرُ نحو 1,7 مليون برميل يوميا، إضافة إلى الغاز الصّخري، وفق بيانات إدارة الطاقة الأميركية. وتُقَدَّرُ احتياطيات الولايات المتحدة بنحو 33 مليار برميل واحتياطيات روسيا بنحو 80 مليار برميل واحتياطيات فنزويلا بأكثر من 260 مليار برميل واحتياطيات السعودية بنحو 200 مليار برميل. ومن الأرقام إياها تتضح الهوة الكبيرة بين احتياطات تلك الدول واحتياطي الولايات المتحدة من النفط السائل وحتى الغاز الطبيعي.
وتُعتبر روسيا من الدول المنافسة للولايات المتحدة على صعيد تسويق الغاز والطاقة النفطية بشكل عام، خصوصا بعد أن أنجزت مد أنبوبين لنقل الغاز من سيبيريا إلى قلب أوروبا. والمنافسة تعني في العُرْف السياسي الأميركي “العداء”، ولا يستبعد في هذا المجال أن تبدأ الولايات المتحدة ولو بعد حين بتهديد أوروبا مباشرة، بزيادة الرسوم الجمركية بشكل كبير، لقاء المستوردات القادمة منها باتجاه الولايات المتحدة. وعليه أن المعركة المستترة ليست بين بكين وواشنطن فقط بشأن قضايا الاقتصاد والتجارة، بل هناك إن نُذر تلك الحرب تتجمع أيضا بين كل من موسكو وواشنطن، وبين واشنطن وعموم دول الاتحاد الأوروبي، وخصوصا ألمانيا بشأن الطاقة.
وخلاصة القول، هناك ازدياد في الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، وقد أدت سياسة السلطات الأميركية عن غير قصد إلى تعزيز الاقتصاد الروسي، فيما يتعلق بقطاع الطاقة، خصوصا بعد أن بدأت شركات الطاقة الصينية بشراء أسهم في مشاريع الغاز الطبيعي المسال الروسي في القطب الشمالي. وبذا أصبحت موسكو أكبر شريك لبكين في قطاع النفط عام 2016، لتتجاوز بذلك السعودية، وتحديدا بعد إطلاق خط أنابيب (باور أوف سيبيريا) للغاز الذي بمقتضاه سيتم توفير 38 مليار متر مكعب من الغاز للصين، ستحتل الصين المرتبة الثانية من حيث استيراد منتجات الطاقة الروسية.

إلى الأعلى