الأحد 17 نوفمبر 2019 م - ٢٠ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / قيس سعيد الحلم التونسي
قيس سعيد الحلم التونسي

قيس سعيد الحلم التونسي

جودة مرسي:
فاز الشعب التونسي في ديمقراطيته، وحقق إرادته في انتخاب من يريده، وفازت القضية الفلسطينية حين عادت لتتصدر الخطاب الرسمي لزعيم عربي جلس على مقعد رئيس الدولة التونسية بحصوله على 72.71 بالمئة من أصوات الناخبين.. انتهت انتخابات الإعادة التونسية وأدى اليمين الدستورية الحقوقي قيس سعيد الرجل الثوري الديمقراطي المؤمن بأحلام الشباب الذين شكلوا قاطرته الانتخابية بأيديولوجية جديدة قوامها وطن حر ليس تابعا لأحد وقراره سيادي يهدف إلى مصلحة الشعب، رئيس بعيدا عن كل الأحزاب والكتل السياسية والجماعات الراديكالية، ليؤكد أن التونسيين ما زالوا متمسكين بنقاء حلم الربيع الذي أضيء بأيادٍ تونسية من سوق الخضار في مدينة سيدي بوزيد، وما زال يثمر زهورا تحمل عبقا جديدا لا مثيل له لتنتصر إرادة الشعب باكتساح ضد الممولين والكارهين لحرية الشعوب. وأول ملامح هذا الفصل الجديد من الربيع التونسي هذا الحراك الشعبي الذي خرج بدعم عفوي لمرشح جاء من خارج الصندوق المعتاد للاختيارات العربية، فتحمست الجماهير لبرنامج سياسي لم يخرج عن كلمتين حين سأل قيس سعيد عن برنامجه فلخصه: برنامجي هو الشباب التونسي، ولأن الرئيس قيس سعيد لم يكن مرشحا لحزب أو جماعة أو أي فصيل سياسي، فتم التشهير به ولم يجدوا سبيلا لذلك من شدة نقاء الرجل فألصقوا به تهمة صنعوها من مخيلتهم فألصقوه بتيار النهضة.
الرئيس قيس سعيد رجل مثل رمزا لأحلام وتطلعات الناس؛ لأنه منهم ومن طينتهم يجالسهم ويشرب معهم القهوة ويتناقش معهم في آمالهم وهمومهم، ففرح الشعب بالفوز فأعرب سريعا وتلقائيا عن وعيه وحبه لوطنه بالخروج السريع في دعوات لمقاطعة الغلاء، تنظيف الشوارع ودهانها، احترام إشارات المرور، الوقوف بجانب بعضهم البعض في شتى الاحتياجات، وقرر الشباب أن لا يكون هذا استثناء، بل خرجت منهم مبادرات بإنشاء جماعات تتناوب على هذا المشروع لتختفي صورة تراكم النفايات من بعض الشوارع والتي كانت في حقيقة الأمر غريبة عن تونس الخضراء، وتفاعلا مع السلوك الحضاري استجابت بعض المؤسسات الحكومية لهذه المبادرات فقررت وزارة البيئة والجماعات المحلية والبلديات تسخير إمكاناتها ومعداتها لهذه المبادرات، فيما تم اقتراح لقي صدى كبيرًا بتنازل كل تونسي عن أجر يوم من راتبه من أجل خزينة الدولة. إنها أفكار تلقائية لم يطلبها أحد من الناس، ولكن الشعور بالمسؤولية وحب الوطن كان هو الدافع الوحيد وفقط, فقرر الشعب أن يقف في وجه كل من يحارب اختياره الممثل في الرئيس الجديد أو يحاول عرقلة مشاريعه التي تهدف لإثراء الوطن. إن قيس سعيد لم يكن مجرد حلم تونسي فقط، بل عربيا أيضا له حنين عروبي واضح، ونزعة تشير إلى الالتصاق بالمحيط العربي، فعرَّف باللفظ الصحيح أن إسرائيل عدو تحتل فلسطين وقدسها الشريف، فأخذ صفا ضد أصحاب الادعاء بالتنوير الملوث بالتبعية والتطبيع فزادت دقات القلب طربا وإعجابا من أنه أتى للعرب رئيسا يعتبر إسرائيل عدوا، فتفجرت ينابيع الفرح في فلسطين وبعض العواصم العربية تهنئة لقيس سعيد.
إن فوز قيس سعيد وتنصيبه رئيسا يؤكد أن التونسيين جديرون بحماية ثورتهم، وأنهم أهل للديمقراطية التي جعلتهم أصحاب تجربة فريدة ستدرّس في قوانين الحرية وحب الأوطان. وأن المشهد التونسي ما زال في بداية الطريق الصحيح الذي يجعله نموذجا وأملا للعديد من الشعوب العربية، ولكي يكتمل هذا المشهد على الفائزين بالانتخابات التشريعية (52 مقعدًا لحزب النهضة، يليه حزب قلب تونس بـ38 مقعدًا، ثم التيار الديمقراطي بـ22 مقعدًا، فائتلاف الكرامة بـ21 مقعدًا، الحزب الدستوري الحر بـ17 مقعدًا، وحركة الشعب بـ16 مقعدًا، وحركة تحيا تونس بـ14 مقعدًا) أن يخرجوا بتشكيل وزاري يتناغم مع برنامج الرئيس الجديد لتكون النتيجة النهائية خدمت طموحات الشعب، وخصوصا الشباب الذين ساهموا في نجاح تونس أمام كل الشياطين، سواء من الداخل أو الخارج وحققت البعض، فهي الآن تريد أن تحقق الكل من ثورتها السلمية، فقط نذكرهم بندائهم المحبب (هَلُمُّوا هَلُمُّوا لِمَجْدِ الزَّمَــنْ، حُمَاةَ الْحِمَى يَا حُمَاةَ الْحِمَى رِجَالُ الْبِلَادِ وَشُبَّانُهَا، إلى عِزِّ تُونِسْ إلى مَجْدِهَا).

إلى الأعلى