الخميس 14 نوفمبر 2019 م - ١٧ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الهلال القفير

الهلال القفير

د. أحمد مصطفى أحمد:
ليس هناك خطأ مطبعي في العنوان، فالهلال الخصيب كما كان يسمى قبلا أصبح قفيرا تلعب الريح المعاكسة بقفاره السياسية والاقتصادية التي حلت محل خصبه. ربما يكون أصبح “فقيرا” بعد غنى، وربما يكون دافع اشتعال حرائقه الشعبية ظروفا اقتصادية وأوضاعا معيشية تشعل شرارة احتجاجات تفضي إلى تغييرات وفي أغلبها إلى فوضى. لكن الذي نقصده هو قفر على كل الأصعدة يطول منطقتنا كلها، وإن تركز في هلالها الذي كان يوما خصيبا. وإذا كان الهلال الخصيب تاريخيا يمتد من جنوب العراق إلى شبه جزيرة سيناء، مشكلا هلالا فوق شبه الجزيرة العربية فإن قوس الهلال امتد الآن ليبدأ من باكستان حتى السودان. ورغم أن عوامل خصوبة الأرض، وتاريخ رسوخ المجتمعات وثقافاتها، لم تتغير كثيرا إلا أن ما يجري في السنوات الأخيرة من حروب خارجية وداخلية وانتشار إرهاب وتدخلات من كل الأطراف وانتفاضات شعبية، مسلحة في أغلب الأحيان، أدى إلى “تجريف” منطقة الهلال لتصبح قفرا يعلوه قيظ يشعل حرائق مستمرة وإن لم تكن كاسحة وقوية.
أحدث حلقة في اكتمال قفر الهلال هي لبنان، الذي طالما كانت له خصوصية بين الدول العربية ـ ليس فقط بمساحة الحرية السياسية فيه ولا تركيبته الطائفية والعرقية الفسيفسائية، وإنما لأنه نموذج لكل العالم العربي بتنويعاته وتحدياته. لذا كان يوصف لبنان دوما بأنه “نموذج مصغر” للعالم العربي، ولم يبرز تيار في المنطقة في العقود السابقة إلا وكان ممثلا في لبنان، ما أضاف لاختلافاته الطائفية والمذهبية والعرقية اختلافات سياسية عابرة لحدوده. ويذكر التاريخ الحديث والمعاصر كيف كانت قوى عربية كثيرة تصفي خلافاتها على أرض لبنان، وأحيانا بالعنف والدم. وبسبب ذلك، ولوضع لبنان التقليدي كممر تجارة، وعوامل أخرى ظل لبنان بوابة كل أجهزة معلومات واستخبارات العالم إلى المنطقة. فأضيف إلى تنوعه الطبيعي والمكتسب عربيا تنوعا عالميا إذ تجد في ذات الفندق عملاء استخبارات أميركيين وأوروبيين وروسا وصينيين…إلخ. ومن بين العوامل المحفزة على ذلك، وقد سمعتها من عميل سابق للمخابرات السوفيتية (كي جي بي) عمل مزدوجا لصالح المخابرات الأميركية (سي آي إيه) ولما كشف غطاؤه أصبح يعمل في جامعة أميركية مرموقة كأكاديمي، هي أن مهارة الصحفيين في لبنان في السابق كانت من أسباب اختيار الجواسيس الأجانب لبنان كمحطة لهم.
ومع تحول الأوضاع في الدول العربية ما بعد الاستقلال، وتحديدا في العقود الثلاثة الأخيرة، فقد لبنان إحدى أهم ميزاته وهي أن قطاعه المصرفي هو “سويسرا العرب” كما كان يقال. وفي السنوات القريبة جدا، تراجعت أيضا تحويلات اللبنانيين في الخارج (وعددهم أكبر من اللبنانيين في الداخل) مع عودة البعض نهائيا أو صعوبة التحويلات نتيجة القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على التعاملات المالية من وإلى لبنان. كل ذلك الضغط المالي لظروف خارجية تقاطع مع استمرار الفساد والنهب المنظم (الذي يكاد يكون مقننا بهندسة مالية ومحاصصة طائفية ومذهبية) حتى أصبح البلد على شفا الإفلاس. وكانت بعض القوى الدولية والدول الإقليمية تسارع لدعم لبنان ماليا في أزماته في السابق، لكن الآن لم يعد للبلد أهمية لهؤلاء سوى أنه ملاصق لإسرائيل وبه جماعة مسلحة تشكل خطرا عليها وعلى الدول المعتدلة في المنطقة من حلفاء أميركا ـ حزب الله. وبما أن النخبة السياسية بكاملها لم تعد قادرة على إنفاذ أي من مصالح رعاتها الخارجيين، فقد “تركوا للعراء بدون غطاء” أمام هبة جماهير تعاني شظف العيش.
من غير الواضح ما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان، لكن المؤكد أن فراغا هائلا قادما يضيف هذا البلد الصغير إلى ساحة القفر في “الهلال الخصيب”. فبعد تجريف العراق وسوريا، وفلسطين طبعا خارج الدائرة لأنها محتلة، والعنف والإرهاب في سيناء والآن الدور على باكستان وإيران لا يبقى من اسم الهلال الخصيب سوى النصف الأول، وإذا كان من صفة فهي القفير المجرف. وبما أن الهلال، جغرافيا على الأقل، يظل تاجا لشبه جزيرة العرب وقطاعا استراتيجيا في الشرق العربي كله فالسؤال: هل من مصلحة الجميع أن يكون قفيرا تشتعل في أرجائه الحرائق أم خصيبا ينتج البشر والثمر لصالح المنطقة؟ بالطبع لا تحتاج الإجابة لتفكير، لكن للأسف الواقع غير ذلك. فقد كان للجميع دور، عن قصد أو بدون قصد، في وصول أوضاع دول الهلال إلى ما وصلت إليه. ولا يتصور أن هناك سبيلا للتخصيب مرة أخرى، فذلك يحتاج لأجيال وطبقات جديدة من الأرض (والبشر قبلها) لتلافي آثار التقفير والتدمير.
وإذا كان البعض منا تستهويه بكائيات ما ضاع من مجد العرب وفشل مؤسساتهم القومية والإقليمية في حل مشاكل منطقتهم فلم يعد مستساغا أن يكون ذلك مبررا للاستمرار في اتباع ذات السياسات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه وننتظر نتائج مغايرة. ولتبسيط الأمر باختزال: أليس من الفضل أن نتصارع على أرض خصبة بدلا من الصراع على قفر بحرائقه؟ وإذا كانت صراعاتنا أقفرت ما كان خصيبا يوما، فعلى الأقل نتوقف الآن عما بدأناه ونحاول استعادة ما بقي والبناء عليه، ونسعى ننفذ المثل الشهير: أن تفعل متأخرا أفضل من ألا تفعل.

إلى الأعلى