الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : مواطنون يتساءلون .. كيف نوقع على تنازل مبهم؟

العين .. الثالثة : مواطنون يتساءلون .. كيف نوقع على تنازل مبهم؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

بعد ما افتقرت عملية تطوير منطقة الحافة بمحافظة ظفار للرؤية السياحية الواضحة المعالم والمسارات، أصبحت هناك فعلا رؤية لمستقبل هذه المنطقة، وهي رؤية تتناغم وتنسجم مع تاريخ ومقومات هذه المنطقة السياحية التي تطل على المحيط الهندي، وقد جاءت هذه الرؤية بعد ان تم سحب هذا المشروع من اللجنة العليا لتخطيط المدن واسناده إلى لجنة جديدة وطنية يغلب عليها الطابع المحلي، وهذا يلبي الطموحات الاجتماعية، فمحو ذاكرة ساكني الحافة من أجل تطوير المنطقة سياحيا، كان سيكون خطأ استراتيجيا لن يغتفر، ليس تعصبا وانحيازا مع الاهالي هنا، وإنما دفاعا عن الذاكرة الوطنية لهذه المنطقة المهمة من جهة ولدواع سياحية من جهة ثانية، إذ إن تحويل البيوت إلى مزارات سياحية تاريخية سوف يكون عامل جذب سياحي مرتفع يتناغم مع عملية التدفق السياحي من اوروبا في فصل الشتاء.
وهذه الرؤية للتطوير، قد غيرت على ما يبدو الكثير من القناعات والمفاهيم، وبالتالي، وسعت فكرة انتزاع الأراضي لتشمل منازل ومزارع أخرى خدمة لهذه الرؤية الجديدة التي ينبغي أن لا تكون مرة أخرى على حساب مصالح المواطنين، فانتزاع ملكيات المنازل القديمة في الحافة لتحويلها إلى مزارات سياحية وتاريخية خطوة يباركها اصحاب هذه المنازل من أجل المصلحة العامة، لكن كيفية التعامل معهم ليست صحيحة كما أن الآلية المعتمدة لن تحفظ حقوقهم المالية، ولسنا ندري كيف اعتمدت؟ ومن وافق عليها؟ فهي غريبة وعجيبة ولا تشير من قريب ولا من بعيد عن وعي وفكر المرحلة الجديدة التي ينبغي أن تعتد بالآخر إن اردنا انتقالا سلسا للتطورات في بلادنا، واردنا ديمومتها كذلك، فمن أين نبدأ هذه القصة الغريبة العجيبة، ربما علينا أن نطرح اولا التساؤل التالي على القارئ لتقريب الفهم، هل يمكن ان تتنازل عن ملكية ارضك قبل الاتفاق على تحديد ثمنها؟ اية قوة حتى لو قهرية لن تدفع بأي إنسان إلى أن يوقع على تنازل عن ملكية ارضه في ورقة بيضاء دون الاتفاق على المبلغ مسبقا، وهذا ما يحدث مع المنتزعين الجدد لأراضيهم في الحافة، فقد تم تثمين ممتلكاتهم العينية، كالمزروعات والمنشآت وبقية الممتلكات الأخرى، لكن اشترط عليهم التوقيع اولا على تعهد بعدم المانعة أو الاعتراض مستقبلا على اي مبلغ تعويضي خاص بالأرض دون أن يتم تحديد مبلغ التعويض في التعهد، كيف يستوي ذلك؟ فإحدى الاسر التي تواصلت معنا، المطلوب منها انتزاع ملكية ارضها البالغة نحو (10) الاف متر مربع اي ثلاثة فدان، وحدد لها مبلغ تعويض مزروعاتها ومنشآتها (126) الف ريال، لكنهم اشترطوا عليها التوقيع على تعهد اولا قبل استلام هذا المبلغ، يفيد بإسقاط حق الارض مقابل الأرض كما كان سائدا في تعويضات الحافة سابقا، والقبول بالتعويض المالي لقيمة الارض، وهذا توجه صحيح، ويفترض أن يطبق اصلا في مسألة التعويضات السابقة واللاحقة، لكن الغرابة هنا، الزامهم بالتوقيع على قبول اي مبلغ مالي تحدده اللجنة المشرفة على مشروع تطوير منطقة الحافة لقيمة ارضهم؟ اي عدم الاعتراض عليه مهما كان حجمه، وهذا خارج سياقات المتعارف عليها في الدنيا، ولن تقبله اية شريعة قانونية ابدا، ولو قبله اي مواطن يكون ذلك استغفالا له أو استغلالا لحسن نيته أو لثقته الزائدة، ولن يعتد أو يحمي القانون مثل هذه الحالات، فالعقد شريعة المتعاقدين، من هنا، من حق هؤلاء المواطنين الرفض، فضمانة حقوقهم التثمينية والتعويضية مسألة جوهرية بعد أن استجابوا لواجب الانتزاع، فلماذا لا تثمن الأرض ويستلم المواطنون تعويضاتهم وتثميناتهم المالية أو يحدد مبلغ التثمين في عقد التنازل حفاظا على الحقوق؟ أين المشكلة هنا؟ المسألة لا تقدم على وجود سوء نية مسبقة في عملية التثمين، وإنما هي في الأساس مسألة قانونية وإنسانية، ولا يمكن التنازل عنها، لذلك على المواطنين أن يشكلوا لجنة منهم تمثلهم لمخاطبة الجهات المعنية دفاعا عن حقوقهم بصورة جماعية، فصوتان أفضل من صوت، والجماعة كلمتها أكبر استماعا من صوتين.
وتظل هواجس التأخير والتأجيل والتسويف وحتى الالغاء قائمة في الذهنيات الاجتماعية العامة بحكم التراكمات خاصة عند المواطنين الذين سوف تنتزع كذلك ممتلكاتهم، فمشروع تطوير منطقة الحافة قد بدأ منذ عام 2004 وحتى الآن لم نر شيئا يتحرك في الميدان كما لم تسو كذلك بقية مطالب المواطنين رغم تشكيل اللجنة سالفة الذكر، فهل ينبغي أن يسلم المنتزع اراضيهم الجدد ملكياتهم دون ضمانات؟ ولو نظرنا لواقع البيوت النازع ملكياتها فسوف نرثى لحالها، فكلها مهددة بالاندثار بعد أن منع المواطنون من ترميمها ..، وطوال تلك السنوات الطويلة تحولت هذه البيوت الى ملجأ للعمال الهاربين ومرتعا لارتكاب الجرائم، المواطنون كلهم مع التطوير والتنمية، لكنهم يريدون جدية وسرعة في التطوير وضمانة عادلة لحقوقهم، أليست هذه من حقوقهم؟ وهل هي مستحالة ، فمن يقف هنا عائقا للتطوير؟ المواطنون الرافضون على توقيع التنازل دون معرفة مبلغ التعويض على حق بامتياز مهما افترضنا حسن النية، فحسن ليست حجة قانونية، وليست ضمانة، كما أن هؤلاء المواطنين تنتابهم الشكوك والهواجس من مستقبل علاقتهم مع السلطة دون وجود مثل تلك الضمانات في ضوء تجربة اصحاب البساتين والبيوت التي على الواجهة البحرية والتي لا تزال محل خلاف كبير ومنذ اكثر من ثلاث سنوات حول قيمة التعويض .. فهل يكررون التجربة مرة أخرى لو بنسخة مختلفة؟

إلى الأعلى