الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. نجاحات يقف خلفها عقل مبدع

رأي الوطن .. نجاحات يقف خلفها عقل مبدع

إن جهود الحكومة على صعيد تطوير الاقتصاد الوطني لا تتوقف عند مستوى معين، ذلك لأنها دائمة التطوير والتحديث في خطط رفع كفاءة القطاعات الإنتاجية المختلفة، وفي مقدمتها قطاع النفط والغاز، وذلك بالتعاون مع مختلف المؤسسات والشركات الحكومية والخاصة المنتجة، ومع الدول الصديقة والشقيقة التي قد تكون سبقتنا في مضمار تطوير الاقتصاد وقطاع الإنتاج وكذلك في برامج التعليم والتأهيل والتدريب، وهذا التعاون يكتسب بدوره سمة التنوع حسب الموروث الثقافي والعلمي لدى تلك الدول، والتي تأتي الدول المتقدمة الكبرى المنتجة في طليعتها بما تمتلك من رصيد في مجال العلم والتكنولوجيا يؤهلها لتصبح عونًا وشريكًا يمكن الاعتماد عليه في تطوير الاقتصاد الوطني وتأهيله وإنمائه وتحسين الإنتاج وتنويع مصادر الدخل.
ولأن التنمية الشاملة عملية مترابطة بين مختلف مجالاتها وبشكل عضوي، فإن إحراز أي تقدم في المجال الاقتصادي كان يوفر بالضرورة مصادر تمويل لتنفيذ مشروعات التنمية في جانبها الاجتماعي وهكذا .. وبفضل سياسات اقتصادية حكيمة مرنة، استطاعت السلطنة في وقت قياسي أن تصل إلى الاستثمار الأمثل لمواردها الطبيعية من خلال تنمية إنتاجها النفطي، وتطوير وتحديث مواردها التقليدية غير نفطية المنشأ مثل الزراعة وصيد الأسماك وتربية ورعي الحيوانات واستحداث موارد أخرى جديدة ترفد الاقتصاد الوطني بمزيد من الأرصدة النقدية، وكل النجاحات التي أحرزت في هذا القطاع كانت تعني ـ في المقابل ـ المزيد من المشروعات التنموية والخدمية التي تستهدف تحقيق رفاهية المواطن العماني، وتحقيق حد أدنى مقبول من المعيشة الكريمة لمحدودي الدخل.
“منتدى عُمان الثاني للطاقة” تحت شعار “عُمان 2014 طموحات كبرى وتحديات محلية حرجة” والذي انطلق أمس بتنظيم من شركة جلف انتيلجنس بالتعاون مع وزارة النفط والغاز، جاء ملامسًا للواقع الاقتصادي محليًّا وعالميًّا في ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تراجع في أسعار النفط، جعل الدول المنتجة والمعتمدة عليه بنسبة كبيرة في مصدر دخلها وإنفاقها تتحسب لهذا الأمر وربما لمزيد من التراجع وتحتاط له، والسلطنة واحدة من بين هذه الدول التي دائمًا ما تأخذ في الحسبان مثل هذه الأوضاع الاقتصادية والتي عادة ما تكون مفاجئة، مشكِّلةً في الوقت ذاته ما يشبه الصدمة وحالة من الإرباك. فقد أثبتت السياسات الاقتصادية للسلطنة قدرتها على استيعاب مثل هذه الحالات الطارئة والمفاجئة ونجاحها في التحوط لظروف المستقبل، وهذا ما بدا جليًّا أثناء الأزمة المالية العالمية، وما من شك أن نجاح هذه السياسات يرجع الفضل فيه إلى عقل مبدع يؤمن بحتمية النهوض على أسس قوية راسخة، وهو عقل باني نهضة عُمان الحديثة وراعي مسيرتها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.، حيث كان حرص القيادة الحكيمة على تنويع مصادر الدخل وتشجيع التنافس الخلاق بين أدوات الإنتاج، وجذب الاستثمارات والاهتمام الكبير بأهمية إرساء بنية تحتية صلبة قادرة على رفع أعمدة تطور الدولة العمانية الحديثة، من عوامل رسوخ هذا الاقتصاد وقدرته على مواجهة عوامل الانحناء والتراجع، ولا ننسى التوجيهات السديدة والدعوات المتوالية من لدن جلالته ـ أيده الله ـ إلى الحكومة بأخذ ناصية الاهتمام بتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط مصدرًا للتقلبات الحاصلة في أسعاره على النحو الذي نراه اليوم وتطرق إليه المنتدى بصورة لافتة.
لقد دق المنتدى أكثر من جرس على صعيد قطاع النفط الذي لا تزال أسعاره بين مطرقة المضاربات وسندان السياسة وتطوراتها ومتغيراتها، من حيث إن السلطنة لا بد لها أن تنتج وسط هذه المتغيرات والتذبذبات من فترة لأخرى للحاجة الفعلية إلى هذا المصدر الحيوي، سواء كان سعره 80 دولارًا أو 90 دولارًا، وكذلك من حيث تضاعف استهلاك بنزين المركبات كل سبع أو ثماني سنوات والذي يعد استهلاكه عاليًا في المعايير العالمية وبنمو بين 10 ـ 12% في العام، ما يعني عدم القدرة على مواكبة سرعة نموه بإنشاء مصافٍ بالسرعة ذاتها، الأمر الذي يستدعي المراجعة والعلاج من أجل تقليل الاستهلاك من خلال وجود وعي أكثر بقيمة هذه المواد. إلا أنه ورغم ذلك فإن سياسة التحوط التي تتبعها الحكومة في مواجهة التقلبات الاقتصادية والمالية لا تزال فاعلة، بدليل تأكيد سعادة ناصر بن خميس الجشمي وكيل وزارة المالية أنه “لا توجد هناك نية أو توجه لتأجيل أي مشاريع حكومية أو أن تتأثر بعض المشاريع، وهذه كلها تناقش من قبل اللجان والمجالس المختلفة، وقبل إصدار الموازنة الجديدة ستكون الملامح واضحة ولكن توجد نية لتغيير في الإنفاق، لأن هذا الانخفاض في أسعار النفط قد يكون انخفاضًا مؤقتًا”. وهذا يبعث على الارتياح، ولكن مع ذلك يجب أخذ الحيطة والأخذ بالأسباب وعدم الارتهان أو الاستسلام للواقع وضغوطاته.

إلى الأعلى