الثلاثاء 31 مارس 2020 م - ٦ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (4)

دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (4)

.. ومجيئ تاء التأنيث في هذا الموضع رغم أن الفاعل مذكر، وهو: (بنو إسرائيل) حتى تزداد مساحة الزمن، وتتأخر توبته؛ لعله ينقذه أحدٌ، فيعود إلهًا متكبرًا على خلق الله جميعًا، ثم يأتي كذلك مدُّ الصلة في: (به)، وواو الجمع، وما تقتضيه من نطق زمني بعدها حيث يأخذ وقتًا، ثم يأتي كذلك المدُّ المتصل الواجب أن يُنطَقَ أربع حركات تامة واجبة في كلمة: (إسرائيل)، لكنه عندما جاء ليقول مُقِرًّا معترفاً بايمانٍ، نطق سريعا ولم يتوقف طويلا، و جرى في نطق(أنا) التي على ألفها السكونُ المستدير؛ علامة على أنها لا تقرأ، ولا يوقف عليها، فوضْع الصفر المستطيل فوق ألف بعدها يدل على زيادتها وصلا ووقفا، كما يقول أهل التجويد، وتهمل تلك الألف، ولا تنطق، وهنا نرى أنه قد خدمه التجويدُ، وقواعده؛ حيث سرَّع بنطقه كأنه لم يسمعه أحدٌ، وكأنه لم يقره ولم يقله، بسبب سرعة نطقها الكلمة (وأنا…) حتى إن نون (مِنَ) في:(مِنَ المؤمنين) تُسُورِعَ في نطقها، وفُتِحَتْ هي الأخرى، فلم تأخذ زمنَ السكون.
كل تلك المعطيات النحوية، والتجويدية والنطقية كشفتْ عن طبيعة شخصية فرعون المتكبر، الصلف، المغرور، لكنَّ المغرورين دائمًا ينالهم بغرورهم ما كانوا يحذرون، هكذا تعانق اللفظُ وفق سياقه، وجاءت كلمات القرآن الكريم معبرةً أيَّما تعبير عن حقيقة البخل مرة، والعطاء وحقيقة اليقين مرة من سيدنا موسى في استعماله للكاف واللام القوية الخارجة من جوانب الفم تمتلئ يقيناً على الله وارتكاناً إليه ـ جل في علاه ـ وكذا بيَّنت الآيات الأخرى كيف كان الغرور كذلك متمثلاً في تلك الجملة التي قالها فرعونُ اللعين، ونطق بها هذا المغضوب عليه، وبيَّنتْ كم كان ضعيفاً مَهيناً، مغرورًا متكبرًا، لكن غروره أرداه غريقاً قد فارقت روحه الحياة، وتركه الغرق وهو يصارع الموت، وينهي قصة الألوهية الكاذبة، التي ملأ بها الدنيا شرًّا، وفسادًا، وقتلاً واستعباداً للخلق، وتكبّراً على الخالق، وكثرة العثوِّ والإفساد في الأرض، ونشر الرذيلة، والكفر، فهاهو ذا يموت غريقًا مغرورًا، لا يستطيع أن يقدم لنفسه شيئاً، ولا أن يقول للشيء: كن فيكون، لو كان إلها قادراً متمكناً، ورأى الخلق جميعًا كيف كان أضعفَ من الذبابة، أو أهون من الورقة التي يُطِيرُهَا الهواءُ، ويعبث بها في طبقات الأرض، وظل يتفوَّه بالكبر، وهو في عُرْضِ البحر، وما تنبَّه إلى أنه صائر إلى ربه قبل ذلك يومًا ما، وأن غروره سيُودِي به، وأن كبرياءه سيقتله، فمات غريقاً قد حكى الله عنه، أنه في الحياة الدنيا إلى قيام الساعة سيكون عبرةً لغيره، وفي موته وعدم إبلاء جسده دليلٌ على عظمة الله، وعلى أن فرعون كذابٌ أثيمٌ، مُدَّعٍ ما ليس له، فلو كان إلهاً كما زعم لأنقذ نفسه، ولدفع عنها ويلات الغرق، لكن الله تعالى لم يغرق جسده كما أزهق روحه، وإنما أماته فقط، وأبقى جسده لم يَرِمَّ ولم يَبْلَ كبقية أجساد البشر، وأمر الجثة أن تظل لا تتآكل ولا تفنى، وتظل كما هي عبرة وعظة للخلق جميعا،أولئك الذين يَصِمُّونَ آذانهم عن قبول النصح، ويغلقون أعينهم عن رؤية الحق، ويوقفون تفكيرهم عن أخذ الموعظة، وتحصيل النصيحة، فيكون مصيرهم ـ من غير ما شك ـ كمصير فرعون، هذا قول الله فيه: قال تعالى:(آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) (يونس 91 ـ 92).
ننجيك ببدنك، فلا يبلى، ولا يصير تراباً، على خلاف ما هو معروف على مر الدهور، وتعاقب العصور من أن جسد الميت يبلى بعد فترة ما، ويصير رغاما لا يعرف أين أعضاء جسده، لكن قدرة الله عز وجل أوقفت أكْلَ الأرض له، وأبقت الجسد حتى اليوم، وإلى قيام الساعة؛ ليكون آية وعبرة لمن يأتي من بعدُ، ويتعرف على تلك الشخصية الحقيرة، المغرورة، المتكبرة، الملعونة في الدنيا والآخرة، والتي استحقت نار الله وعذابه، وغضبه وانتقامه.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى