الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هواء في شبك

هواء في شبك

أ.د. محمد الدعمي

ربما حظيت المعارضة السورية بالكثير من التأييد خلال الأشهر الأولى لبدء الاحتجاجات، تأسيسًا على شكاوى وأهداف لا يختلف عليها جميع محبي الحرية والديمقراطيين عبر العالم والعالم العربي خاصة.
بيد أن هذه المعادلة سرعان ما اختلت، بل وانقلبت رأسًا على عقب، إذ وقعت المعارضة السورية في أفخاخ المغفلين عندما فتحت أبوابها واسعة للمساعدات الأجنبية التي لم تقلل من شأن إخلاصها واستقلاليتها فحسب، بل قادت إلى الاعتماد شبه الكامل على القوى الأجنبية، عربية أو غير عربية. وبطبيعة الحال، يبقى الاتكال على قوى من خارج الوطن لوثة في سمعة أي حركة سياسية، ملاحظين النتائج النهائية لما حدث في العراق وكيف قادت المعارضة القوات الأجنبية إليه؛ ثم كيف سقط البلد ضحية للفوضى والفساد واللايقين، ناهيك عما يشوب حياة جمهوره من رعب دائم وكراهية وضغائن طائفية ودينية وفئوية وإثنية.
وإذا كان درس العراق قد مر على المعارضين السوريين دون ملاحظة كافية لتعينهم على تجاوز ما حدث في العراق وتجنب اختلالاته، فإن الارتكان المفرط على المساعدات الأجنبية (سياسيًّا وماليًّا وإعلاميًّا) قد قادها إلى مهالك يصعب تجاوزها دون خسائر.
وإذا كان المعارضون السوريون قد انشغلوا في التنقل بين مطارات الدول العربية والأجنبية، توكيدًا على نوع من التبعية والتخبط، فإنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أنهم قد وقعوا في فخ لا مخرج له: وهو فخ دمجهم بالحركات الإرهابية.
وللمرء أن يزعم، بشيء كافٍ من التيقن، أن هذا الفخ قد صمم ونفذ، بلا علم المعارضين (على أغلب الظن) لأنهم كانوا مشغولين في انقساماتهم وتنافساتهم في قاعات الفنادق الفاخرة، من قبل ذات الحكومات التي كانت تدعمهم على أمل أن يكون هؤلاء مجرد وسيلة يمكن امتطاؤها لتنصيب نظام حكم بديل للنظام القائم اليوم بقيادة الرئيس بشار الأسد.
والأغرب من ذلك بكثير، هو أن هذه الدول الممولة للمعارضة قد سقطت في فخ مشابه هي الأخرى: فهي كانت تنوي الإتيان بنظام رجوعي متعاون معها، إلا أنها ما لبثت وأن وجدت نفسها في مأزق التمييز بين المعارضين الذين تريدهم والإرهابيين الذين راحوا يتقاطرون على سوريا المسكينة من كل حدب وصوب حتى صاروا طوفانًا أغرق السابقين من معارضة الفنادق الراقية ثم أغرق ضباط جيش المعارضة (الحر) فراحوا يُقتلون ويقضى عليهم الواحد تلو الآخر، الأمر الذي قاد إلى اختلال الرؤيا حتى من زاوية نظر الدول الكبرى التي سبق وأن أبدت استعدادًا للتعاون مع المعارضة. هذه الدول تتريث الآن خشية أن تقع في فخ مشابه للفخين المذكورين أعلاه اللذين سقطت بهما المعارضة وبعض الدول الممولة لها.
أما ما يحدث اللحظة في جنيف، فإنه لن يكون سوى “همسة” في فضاء قوامه الضوضاء غير المفهومة، لأن المعارضة التي يريد الوسطاء الدوليون والعرب أن يجالسوها مع ممثلي الحكومة السورية لم يعد لها قيمة حقيقية في الصراع على الأرض. إن الحاسم في هذا الراهن السوري قوتان فحسب، كما أرى، وهما: الحكومة السورية والجماعات الإرهابية؛ أما قاطنو الفنادق الفاخرة فإنهم لن يلبثوا وأن يجدوا خطابهم هواء في شبك.

إلى الأعلى