الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاعتراف البريطاني….ليس تصحيحا “للظلم التاريخي”!

الاعتراف البريطاني….ليس تصحيحا “للظلم التاريخي”!

د. فايز رشيد

”تركت بريطانيا قبل الانسحاب من فلسطين، تركت طائراتها وأسلحة قواتها، للجيش الإسرائيلي الذي تشكل آنذاك من إرهابيي منظمات القتل الصهيوني، ثم أعلنت بريطانيا انتهاء تواجدها في فلسطين وقامت بسحب قواتها. بعد ذلك ومباشرة: جرى إعلان قيام دولة الكيان وتم قراءة ما سمي “بوثيقة الاستقلال” . عماذا ينم ذلك؟ ”

ترحيب وزير خارجية السلطة الفلسطينية، باعتراف مجلس العموم البريطاني، بدولة فلسطين، رغم أنه قرار رمزي لا يلزم الحكومة البريطانية، ترحيبٌ مفهوم وجيد. غير أن الوزير الفلسطيني رياض المالكي، اعتبره في ذات الوقت: “تصحيحاً للظلم التاريخي “الذي اقترفته بريطانيا، بحق الفلسطينيين بأنها “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، مشير بذلك إلى وعد وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور عام 1917 الذي تعهد فيه” بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين.
ليعذرنا وزير الخارجية الفلسطيني القول: بأنه في رد فعله كممثل للسلطة الفلسطينية، بالغ وعاظم كثيراً في الخطوة البريطانية، فبريطانيا قبل عام 1917 تحالفت مع المنظمات الإرهابية في قتل وترويع الفلسطينيين والتنكيل بهم. كما ساعدت الحركة الصهيونية في إغراق فلسطين، بالمهاجرين اليهود من المستوطنين، وساعدت على ترحيل الفلسطينيين. بريطانيا وبعد احتلالها فلسطين (تحت راية الانتداب!!) حكمت على عشرات الفلسطينيين بالإعدام لمجرد أن وجدت قواتها معهم، أسلحة بسيطة كالمسدس، والبنادق القديمة. من هؤلاء الشهداء الثلاثة، (محمد جمجموم، فؤاد حجازي، عطا الزير)، وقد أعدمتهم في يوم الثلاثاء (عُرِف فيما بعد …بالثلاثاء الحمراء) في 17 يونيو عام 1930 وغيرهم وغيرهم من الفلسطينيين. حكمت بريطانيا على الآلاف من الفلسطينيين، بسنوات سجن طويلة، لمجرد سيرهم في مظاهرات سلمية ضد التعاون الصهيوني ـ البريطاني، هذا في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا، تصدر الأسلحة الحديثة حينذاك إلى المنظمات الإرهابية الصهيونية، لتقوي من شوكتها على الفلسطينيين. كما ساعدت، تلك المنظمات من عصابات القتل الصهيونية، على الهجمات التي كانت تشنها على مواقع الثوار الفلسطينيين والعرب، وتساندها من الخلف، بدك المواقع العربية بالقذائف المدفعية. القوات البريطانية حين كانت تقوم بتفتيش البيوت الفلسطينية، تجمع الفلسطينيين في الجوامع، تدخل البيوت وتتلف مخزون البيت وتمويله: تكب الكاز والزيت، على السمن والسكر والأرز والزيتون. هذا كان مسلكاً عاماً للقوات البريطانية.
بريطانيا ساعدت ومهدت لقوات عصابات القتل الصهيونية، اقتراف العديد من المذابح في القرى والبلدات الفلسطينية، وكانت أبرزها: مذبحة دير ياسين في عام 1947، وقد تبنتها المنظمتان الإرهابيتان الصهيونيتان “أرجون”و”شيرين” وذهب ضحيتها 360 شهيداً، وغيرها وغيرها من المذابح. إن كل اللجان التي شكلتها بريطانيا للحل في فلسطين، وبالرغم من محاولات صياغاتها اللفظية المتوازنة بين العرب واليهود، كانت تتم بالمعنى التطبيقي الفعلي، لصالح اليهود!.تكرر ذلك في”لجنة بيل” وما أصدرته من كتاب أبيض أول في عام 1936، ولجنة” وودهيد” وما أصدرته من قرارات عُرفت” بكتاب نوفمبر” عام 1938، والكتاب الأبيض الثاني عام 1939. الاعتداءات الصهيونية على المناطق المخصصة للعرب كانت تتم على مرأى ومسمع من القوات البريطانية، ومن يود معرفة حقيقة السياسة البريطانية في فلسطين، فليقرأ كتبا عديدة مختصة بهذا الموضوع، ولعل أبرزها: كتاب “التطهير العرقي للفلسطينيين” للمؤرخ الإسرائيلي ذي الضمير: إيلان بابيه، كتاب” اليهود ،اليهودية، والصهيونية” للدكتور عبد الوهاب المسيري، “مذكرات المناضل بهجت أبو غربية” البريطاني بجزأيها الأول والثاني، كتاب ” فلسطين والانتداب البريطاني” للدكتور كامل محمود حارة، وغيرها.
في سبيل المزيد من الضغط على بريطانيا، للوقوف أكثر مع العصابات الصهيونية، قامت الأخيرة بعمليات ضد مواقع بريطانية في فلسطين وخارجها، كان من أبرزها: اغتيال الوزير البريطاني لورد موين في نوفمبر عام 1944 في القاهرة. قتل العديد من الجنود والضباط البريطانيين وبخاصة بين العامين 1944-1945. اختطاف رقيبين بريطانيين وقتلهما عمداً والتنكيل بجثتيهما ورميهما. في عام 1946 قامت العصابات الصهيونية بتفجير فندق الملك داود في القدس وذهب ضحية الحادث ما ينوف عن 90 شخصاً. تفجير السفارة البريطانية في روما عام 1946. اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت في سبتمبر عام 1948، تحت تهمة الانحياز للجانب العربي. معروف أن المنظمات الصهيونية قامت بتفجير سفن مهاجرين يهود في عرض البحر المتوسط، لكسب المزيد من التعاطف مع مطالب اليهود بوطن قومي، ولمزيد من الضغط على بريطانيا لعدم تحديد الهجرة وتقنينها. رغم ذلك لم تأخذ قوات الاحتلال البريطاني أية خطوات جدية عقابية ضد المنظمات الإرهابية الصهيونية، كما أنها ساعدت هذه المنظمات على إقامة الشق المتعلق بإنشاء دولة إسرائيل (من قرار التقسيم للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 في 29 نوفمبر عام 1947) وعرقلت بالمعنى الفعلي تحقيق الجزء المتعلق من القرار، بإنشاء دولة عربية. يمكن إلقاء الضوء على العديد من هذه القضايا، في كتب كثيرة مختصة، من أبرزها:”حرب فلسطين 1947-1948″الرواية الإسرائيلية الرسمية للمؤلف: أحمد خليفة، كتاب”مأساة فلسطين بين الانتداب البريطاني ودولة إسرائيل” للمؤلف أحمد زكي الدجاني. رغم كل القتل الصهيوني للبريطانيين، تركت بريطانيا قبل الانسحاب من فلسطين، تركت طائراتها وأسلحة قواتها، للجيش الإسرائيلي الذي تشكل آنذاك من إرهابيي منظمات القتل الصهيوني، ثم أعلنت بريطانيا انتهاء تواجدها في فلسطين وقامت بسحب قواتها. بعد ذلك ومباشرة:جرى إعلان قيام دولة الكيان وتم قراءة ما سمي”بوثيقة الاستقلال” . عماذا ينم ذلك؟ عن اتفاق مسبق صهيوني – بريطاني للانسحاب البريطاني وإنشاء إسرائيل؟! أليس كذلك؟ بريطانيا تحالفت مع إسرائيل وفرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر في عام1956.
راهناً، ومثلما قلنا سابقاً : قرار مجلس العموم البريطاني، لا يُلزم حكومة المحافظين برئاسة المتشدد ديفيد كاميرون (وهي الموالية تماماً لإسرائيل والمنحازة لها في كل مواقفها)، بتنفيذه. ثم إن القرار، لا يتحدث عن حدود الدولة الفلسطينية على كل أراضي عام 1967، التي احتلها الكيان الصهيوني عام 1967، لكن رغم كل ذلك، فهو قرار إيجابي، وخاصة بعد اعتراف السويد بالدولة العتيدة.
السياسة الإسرائيلية وصفت القرار البريطاني”بأنه يقوض عملية السلام”. الموقف الصهيوني هو ضد أي خطوات فلسطينية، ودولية، من جانب واحد (دون التشاور مع إسرائيل). الاعتراف للأسف لن يساعد في ترجمة الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة، واقعاً على الأرض. يحضرني في هذا الموقف ما كان الإرهابي مناحيم بيغن قد صرّح به : “لو أن كل دول الأمم المتحدة أجمعت على قرار يخالف السياسة الإسرائيلية، فلن يجري تنفيذ أي قرار سوى القرار الإسرائيلي!”. تصوروا العنجهية والصلف؟!.
جملة القول: إن الحكومات البريطانية بحاجة إلى فعل الكثير، وعلى مدى قرون زمنية قادمة طويلة، لصالح الشعب الفلسطيني، بالمعنى الفعلي والتطبيق على الأرض. ذلك، حتى تقوم بتصويب جزءٍ بسيط مما اقترفته من ظلم تاريخي بحق الفلسطينيين ومعاناتهم الشديدة وتهجيرهم من بلدهم، وإلغاء وطنهم من القاموس … لصالح حليفة بريطانيا وأميركا والاستعمار: دولة الكيان الصهيوني.

إلى الأعلى