الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / فنون عمانية على ضفاف النيل

فنون عمانية على ضفاف النيل

إيهاب حمدي

على ضفاف نهر النيل بقلب العاصمة المصرية القاهرة، وضمن الدورة الثامنة والعشرين من مهرجان الموسيقى العربية، شاركت الفرقة السلطانية الأولى للموسيقى والفنون الشعبية في فعاليات المهرجان بعروض فنية متنوعة، وقدمت أعمالا ومؤلفات تراثية تعكس الموروث الحضاري العماني، سواء على مسارح دار الأوبرا المصرية أو في رحاب معهد الموسيقى العربية بالقاهرة، أو على مسارح وواجهات فنية وثقافية متنوعة بمصر.
وإيمانًا بأهمية الثقافة والفنون في حفظ الهوية عبر لغة حسية تفهمها جميع الشعوب، دعمت السلطنة تأسيس الفرقة السلطانية الأولى للموسيقى والفنون الشعبية، عام 1976 بهدف التعريف بالفنون الموسيقية والشعبية التقليدية العمانية، وحفظها وتدوينها، ومنحها جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ زخما محليا ودوليا وشهرة عالمية، عندما كرمها بالسماح لها بتقديـم عروضها الفنيـــــة أمام جلالته، وأمام قادة الدول لدى زياراتهم للسلطنة، وباتت أيقونة فنية لإحياء المناسبـات الوطنية والعامة، وبارك جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ مشاركتها في المهرجان المصري، فأقامت حفلات بالقاهرة تحت رعاية الدكتورة راوية بنت سعود البوسعيدية، وزيرة التعليم العالي، ورئيسة مجلس إدارة دار الأوبرا السلطانية ـ مسقط، وحضر الحفلات نخبة من كبار المسؤولين والفنانين في السلطنة ومصر على رأسهم معالي السفير الدكتور علي بن أحمد العيسائي سفير السلطنة لدى مصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية.
الدور الحيوي الذي يقوم به الفن العماني، سواء في حفظ التراث الوطني، أو إبراز البعد الحضاري والثقافي، أو في مد جسور التواصل مع العالم الخارجي، بات واضحا للعيان، فالفرقة السلطانية شدت في القاهرة مجموعة من الأغاني التي يعشقها العرب (منها: أنساك، وحبيبي وعينيا، وهلت ليالي، ومتى أشوفك، ويا ليلة العيد، ومحلاها عيشة الفلاح، وحبيبي ساكن في الحسين، وعنابي، ويا بدع الورد، ويا مسهرني)، وقدمت مجموعة من الطقطوقات الفنية (منها: على بلد المحبوب، وعلى خده يا ناس، والنبي يا جميل، وقمر له الليالي، وعندما يأتي المساء)، واستنفرت الحس الوطني لدي الجمهور المصري بالأغنية الوطنية الشهيرة التي يعشقونها “يا حبيبتي يا مصر”.
القوة الناعمة التي تستخدمها الفرقة السلطانية للتواصل مع الشعوب تخاطب من خلالها حس التذوق والفن الراقي، ففي مصر غنت لكوكب الشرق أم كلثوم، وموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وعدد من النجوم المصريين منهم شادية، وفريد الأطرش، ومحمد عبد المطلب، وأعمال خالدة لأشهر المبدعين العرب والمصريين على مر عصور متعددة .
الحقيقة أن الفرقة الغنائية فرضت فنها وثقافتها على العالم كله، فبخلاف الأزياء التي يرتدونها ليعكسوا الهوية العمانية والتراث الوطني للسلطنة، استطاعت تحقيق الانتشار بالمشاركة في العديد من المناسبات خارج حدود الوطن، مثل: معرض أوساكا الدولي للزهور باليابان، ومهرجان جرش بالمملكة الأردنية، ومعرض أكسبو في مدينة أشبيلية الإسبانيـة، ومهرجان تاتو أدنبره باسكتلندا، واحتفاليات أقيمت في الصين بمناسبة إحياء الذكرى العاشرة لوصول السفينة صحار (السندباد) إلى كانتون.
ربما يكون استدامة تقديم العروض والاستعراضات من قبل 350 فنانا أمرا صعبا، لأن عامل الزمن لن يساعد في عزف الموسيقى الشرقية، أو تقديم الأغاني والأدوار والطقاطيق والقصائد والموسيقات الشعبية والموشحات الأندلسية، لذلك انتهجت الفرقة نهجا جديدا لإعداد وتأهيل كوادر محلية قادرة على حمل الرسالة، ومواصلة مشوار النجاح، من خلال قيامهم بتدريس الفن الموسيقى والفن الشعبي داخل السلطنة.
ومن انعكاسات المشاركة، أن المصريين كانوا يرون أن لديهم ريادة في الفن العربي، وفكرة استقبالهم للفنون الخليجية أمرا صعبا؛ لكن الفرقة السلطانية كسرت هذا الجمود، وبنت جسورا من الثقة بين الشعب المصري وبين الفن العماني بصفة خاصة، والخليجي بصفة عامة، وهو ما يدعونا للتفاؤل حول مستقبل الفنون في السلطنة خلال السنوات القادمة.

إلى الأعلى