الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حول إعادة إعما ر القطاع

حول إعادة إعما ر القطاع

علي بدوان

”إن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لا ينتظر التبرعات السخية، والوعود، بل ينتظر بالأساس، وما زال ينتظر قراراً دوليًّا برفع الحصار “الإسرائيلي” فوراً عن كامل قطاع غزة، ووضع حد لهذا الظلم المُدقع الذي ما زال يكابده ويرزح تحت مواطني فلسطيني على أرض القطاع بمساحته المحدودة المُكتظة بالسكان وغالبيتهم من لاجئي العام 1948، حيث لا يمكن الحديث عن إعمار فعلي دون رفع الحصار عن غزة,”
ـــــــــــــــــــــــ
عقدت في العاصمة المصرية القاهرة قبل أيام، أعمال مؤتمر إعادة إعمار قطاع غزة بعد محنة العدوان الأخير. وأعلن المؤتمرون عن حزمة مالية ستُمنح للقطاع من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب العدوانية “الإسرائيلية” الأخيرة عليه بواقع (5,4) مليار دولار أميركي. لكن الإعلان عن تلك المنحة المالية لم يطمئن عامة الناس في قطاع غزة، حيث عادت أجواء القلق لتهيمن مرة ثانية على عموم الحالة الشعبية الفلسطينية في القطاع، خشية من تكرار السيناريوهات السابقة لمثل هذه المؤتمرات التي تبدأ بوعود كبيرة وتنتهي بأقل القليل من التنفيذ، مستذكرين مؤتمر إعادة الإعمار السابق الذي عُقِدَ في منتجع شرم الشيخ، بعد وقف حرب “إسرائيل” البربرية على قطاع غزة، والتي امتدت طيلة الفترة 27/12/2008 – 17/1/2009. وقد عقد المؤتمر في حينها لمدة يوم واحد، وذلك بتاريخ 2/3/2009. وشارك في أعماله نحو (70) دولة و(16) منظمة إقليمية ودولية، وعدد من مؤسسات التمويل الدولية، كالأمانة العامة للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والبنك الدولي، لكن الأمور انتهت في خواتيمها دون ترجمة الوعود إلى حقائق ملموسة على الأرض، فتبخرت وعود المؤتمر إياه، ولم تكن نتائجه على الأرض سوى (لحسة أُصبع) على حد تعبير المثل الشعبي الفلسطيني.
لقد عقد مؤتمر إعادة الإعمار الأخير بشأن قطاع غزة، في ظل غياب أصحاب الشأن أنفسهم، أي الشعب الفلسطيني في القطاع، وتحديداً ممثلي من دُمرت منازلهم، ومصالحهم ومصانعهم، وذوي الشهداء والجرحى، والذين كان من الأفضل أن يأتي ممثليهم لأعمال المؤتمر من أجل تقديم شهادة حية عما تعيشه عائلات الـ (2160) شهيدا وشهيدة في القطاع، ومنهم (580) طفلاً، وعائلات الـ (11300) جريح وجريحة، ثلثهم أصبحوا معاقين للأبد، ويحتاجون لرعاية مستديمة.
لقد عُقِدَ المؤتمر ليوم واحد، وطغت عليه قضايا سياسية لا علاقة لها بالموضوع الأساسي الذي اجتمع المؤتمرون من أجله، ففاضت على أعماله النقاشات المُتعلقة بموضوع “محاربة الإرهاب” وموضوع تنظيم “داعش” فيما غابت عن أعماله القضية الأساسية المُتعلقة بحصار قطاع غزة والعدوان “الإسرائيلي” وسلوك الدولة العبرية باعتبارها المتسبب الرئيسي في الدمار الواسع الذي طال القطاع، واقتصرت أعمال المؤتمر في هذا الجانب على تحديد الرقم المالي لإعادة الإعمار فقط.
لقد كان على المؤتمرين أن ينظروا إلى المجرم الحقيقي، المسؤول عن تدمير البنى التحتية في القطاع، وعن تدمير منازل الناس وممتلكاتهم، حيث ضرورة كانت محاسبة دولة الاحتلال على الجرائم التي ارتكبتها، من قبل المجتمع الدولي المُتشدق بحقوق الإنسان والقانون الدولي، وإجبار (الدولة الصهيونية) على دفع تعويضات فورية على الدمار الذي أحدثته وعلى الأرواح البريئة التي أزهقتها والدماء التي أسالتها دون وازع في ظل صمت وتواطؤ البعض من المقررين في المجتمع الدولي. وهنا يتوجب على الطرف الرسمي الفلسطيني الإسراع بتوقيع ميثاق (روما) وجر “إسرائيل”، إلى محكمة الجنايات الدولية. وعلينا هنا أن نشدد القول “إن إعفاء إسرائيل من الالتزام بالقانون الدولي هو كارثة سياسية”، و”إن الحجة الإسرائيلية السقيمة بأن كل مبنى تم تدميره في القطاع إنما يخفي إرهابيًّا، وكل شجرة إنما تظلل فدائيًّا، هي حجة مرفوضة وكاذبة” ولدى الفلسطينيين من الأدلة على ما يدحضها.
إن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، لا ينتظر التبرعات السخية، والوعود، بل ينتظر بالأساس، وما زال ينتظر قراراً دوليًّا برفع الحصار “الإسرائيلي” فوراً عن كامل قطاع غزة، ووضع حد لهذا الظلم المُدقع الذي ما زال يكابده ويرزح تحت مواطني فلسطيني على أرض القطاع بمساحته المحدودة المُكتظة بالسكان وغالبيتهم من لاجئي العام 1948، حيث لا يمكن الحديث عن إعمار فعلي دون رفع الحصار عن غزة، ودون فك السيطرة “الإسرائيلية” على ما يدخل لقطاع غزة أو يخرج منه، وإعادة بناء ميناء غزة البحري والجوي، وتوفير ممر بحري آمن ومحمي دوليًّا ومستقل عن أي تدخل أو إشراف “إسرائيلي”، وفتح معبر رفح بين مصر والقطاع بشكلٍ دائم باعتباره ممراً ومعبراً فلسطينيًّا مصريًّا لا علاقة لسلطات الاحتلال به. فقطاع غزة ما زال تحت الحصار و”الاحتلال الإسرائيلي”. ومعابره تحت سيطرة الكيان الصهيوني، ودخول مواد إعادة الإعمار إليه مرهون بالقرار “الإسرائيلي” وهذا ما أكده المتطرف وزير الخارجية زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيجدور ليبرمان الذي قال “ليس مهماً ان إسرائيل لم تدعى إلى المؤتمر فهي التي تمسك بمفاتيح المعابر وبإدخال مواد الإعمار وبالرقابة عليها، وهي التي ستستخدم وسائل الرقابة على استعمال مواد الإعمار للعبث بالعملية كلها”.
ويتوقع في هذا السياق، أن تعود المماطلة والمطمطة “الإسرائيلية” بالنسبة لإعادة إعمار قطاع غزة، من خلال استغلال الحاجة لإعادة الإعمار لابتزاز تنازلات سياسية من الجانب الفلسطيني في ظل الحديث “الإسرائيلي” الذي يقول “إن الإعمار سيكون في مقابل نزع سلاح المقاومة”، فضلاً عن العمل من أجل تحقيق أرباح مالية بتوريد مواد بناء “إسرائيلية” وبذلك تكون كمن “قتل القتيل ومشى في جنازته وباع بضائع لتحقيق أرباح خلال الجنازة”. فالدولة العبرية ستعمل على تعطيل دخول وتدفق المواد الأساسية للقطاع، ومنها الإسمنت تحت ذرائع شتى، ويتوقع أن تعيد العزف على الاسطوانة ذاتها لتعطيل عملية إعادة الإعمار، وابتزاز الطرف الفلسطيني وحتى المجتمع الدولي، وهو أمرٌ لا يمكن إنهاؤه ووقفه الا بتوفير الضغط الدولي وخاصة الأميركي والأوروبي الغربي الجاد والحقيقي على قادة “إسرائيل”. ففي ظل الضغط الدولي الجاد ستركع الدولة العبرية وستستجيب للنداء العالمي، وحتى لفك الحصار عن القطاع.
أخيراً، وبكل الحالات، من الضرورة بمكان أن يتم تَشكيل لجنة وطنية فلسطينية شاملة في قطاع غزة لمتابعة عملية إعادة الإعمار، يُمثّل فيها أصحاب البيوت والمصالح المدمرة، وهم اولى الناس وأحقهم في معرفة ماذا يجري، وما الذي سيجري، وهل ستلبى احتياجاتهم أم سيكون مؤتمر إعادة الإعمار تكراراً لمؤتمر سابق عُقِدَ في منتجع شرم الشيخ، وقد وعد بالكثير ولم يحقق إلا النزر اليسير من وعوده التي تم الترويج الإعلامي الكبير لها.

إلى الأعلى