الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / القاسم بن رسول الله ريحانة الجنة (2)

القاسم بن رسول الله ريحانة الجنة (2)

أخي القارئ الكريم .. وقف بنا الحديث عند كلام ابن اسحاق والذي ذكر أبناء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها وقد ولدتهم كلهم قبل بعثته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وما دعاني لآن أتحدث عن القاسم بن رسول الله، والذي كان يكنى به (صلى الله عليه وسلم) لأنني أريدك ونفسي أن نتتبع ضياءً من أنوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ذلكم الضياء الذي نقتبس من نوره قبساً يضيء لنا النعم التي أغدقها الله تعالى علينا، مما نعلم ومما لا نعلم، فهو رسول الله الأب، وهو عليه الصلاة والسلام ليس كأي أب، فكل بشري يسعد بأول ولد له خاصة إذا كان ذكرا، وطبيعة البشر تفرح بما وهبها الله تعالى من الأولاد، فبعد أن ملأت خديجة حياة محمد (صلى الله عليه وسلم) فرحاً وسروراً، وسعادة وحبوراً، بعد زواجه بها، وتوجت العناية الإلهية هذه الزواج المبارك بولد قبل مرور عامين من الزواج، وولدت خديجة ولداً كأنه البدر في تمامه، وأقبل الأهل والأحباب يباركون قدوم الضيف الجديد على الدنيا، والعضو الأصيل في الأسرة، ويسألون بما تسمونه؟ ويأتي الجواب من أبيه: إنه القاسم إن شاء الله ،وكان القاسم في فراشه، يملأ الدار بصياحه، ويحرك رجليه في مهده، ويدير عينيه يمينا ويسارا، فيملأ قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) فرحاً، ويملأ قلب خديجة غبطة وسعادة، وها هو القاسم بن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينور الدنيا على أهل بيت رسول الله أجمعين، وأصبح الناس جميعا ينادون محمداً بـ(أبي القاسم)، وصارت هذه الكنية غي أذن خديجة أحب الكلام، يتفتح قلبها وتسعد كلما سمعت الناس يدعون زوجها بها، فالقاسم ابنهما هو الثمرة الأولى لهذه المحبة وذلك الإخلاص، ولم ينقض عام على مولد القاسم، حتى كانت زينب (في الطريق إلى الدنيا) (قصة السيدة خديجة بنت خويلد، طبعة وزارة التربية والتعليم المصرية لعام 1988م، ص 96)، وانظروا ـ قرائي الكرام ـ إلى هذا الأب رقيق القلب شفوقه، مرهف الإحساس شغوفه، وقد مرَّ على مولد ابنه القاسم سنتان، كما ذكرت بعض الروايات، كما كان يدعبه أبوه العظيم ـ عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وكيف كان يلاطفه، والطفل الذي أبوه كذلك، وهو (صلى الله عليه وسلم) من هو، إذا تعلق به أبيه، أليس هو بأبيه أكثر تعلقاً، وإذا أحبه أبواه، أليس هو لأبويه أكثر حباً، كم تمر عليهما من أيام سعيدة، والطفل الغالي بين أحضان أبويه، كل منهما يحنو عليه ويشفق، ومن وافر السعادة والمحنة عليه يغدق، وبينما الأسرة النبوية تعيش هناء، وتعمها السعادة، ويسودها الرخاء، ترفرف عليه أجنحة المحبة، وتخيم عليه سحائب الرحمة، لا تجد فيهم ولا بينهم من يشكو بألم ألم به إلا وتداعت له سائر الأسرة بالعناية والسهر، وما رقد لأحدهم جنب على الفراش إلا بعد أن يذهب عنه ما ألم به، كانت هذه سمة البيت النبوي الكريم محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ قائم بأمور التجارة وما يخص البيت من الخارج، وخديجة قائمة بما يخص البيت من الداخل، فضلا عن اعتنائهما بأولاد هما وزهرة حياتهما (القاسم وزينب)، وبهذا كانت الأسرة تعيش، ولا تعبأ بما يكنه لها العيب، ولا يشغلون أنفسهم بالقادم لأنه غيب، والغيب بيد الله تعالى وحده، بل يزيد الجميع كل يوم سعادة وسرور، فما وجد محمد (صلى الله عليه وسلم) وزوجته من أولادهما من مرح وفرح وكأنهما زهرتين، ينشرا العطر فيما يحيط بهما، إلا وسعدا واطمئنا عليهما، وملأت الدنيا من حولهما نوراً وضياءً، وانهمر منهما الحنان على أولادهما، وأحاطت بهما عنايتهما، وما أن ينظر القاسم وأخته زينب إلى أبويهما فيجدا منهما كل هذا الاهتمام، وكل هذا العطاء والحنان، فإذا بهما يزداد قوة وزيادة يوما بعد يوم، هكذا كانت تسير سفينة الأسرة النبوية الطاهرة، ولكن ..! تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن، وليس كل يتمنى المرء يدركه، ففي يوم موعود، يعود محمد (صلى الله عليه وسلم) من عمله إلى البيت فيجد أن القاسم ألم به وجع يداهمه بشدة، ولا يرح فيه طفولته، ولا يرحم فيه قلب والديه، وينظر محمد وزوجه إلى ولديهما في لهفة وشفقة، ويشتد عليه الداء ولا يجدي فيه الدواء، وخديجة حائرة، تنظر إلى السماء، وتفكر في هذا الصغير الذي يذوي ـ يئن ـ أمامها، ولا يستطيع أحد أن ينقذه مما هو فيه، وهو يسرع إلى النهاية، والقاسم كغصن الشجرة التي حبس عنها الماء واشتد بها الحر، ويتمنى الزوجان أن يخطفا ولدهما من مخالب الموت،لكن قضاء الله تعالى فوق كل يد، ولكنه! أجل! أجل محدود، وعمر معدود، قال تعالى:(أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس ـ 49)، ويقول ـ جلّ جلاله:(وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون ـ 11)، وقدرته تعالى فوق كل قدرة، فلم يجدا في علاج القاسم دواء:
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته
حار الطبيب وخانته العقاقير
.. وللحديث بقية.

محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى