الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المولد الشريف والكمال الإنساني (1)

المولد الشريف والكمال الإنساني (1)

كلما هلَّ شهر ربيع الأول، شهرُ المولد النبوي الكريم، شهرُ الرحمات، والشموس المضيئات، شهرُ الخير والهدى، تهللتِ السماء، وأشرقت الأرض بمولده الشريف واكتستِ المعمورة بثوب العز والكرامة، واتَّشحت برداء الكمال الإنساني، والرقي الآدمي.
حيث كان مولده الشريف سببًا في هذا الجلال، وذاك الكمال، وذلك الجمال، فقد كانت الأرض قبل مولده الشريف تغصُّ بالظلم، وتعجُّ بالفوضى، وتمتلئ بالغرور، وتشتمل على الكبر، والصلف، وقد رأينا طرفا منها في حادث الفيل، ومحاولة هدم البيت الحرام، وما ندري لأيِّ شيء تمتدُّ الأيدي الآثمة إلى دور العبادة في الأرض لتدمرها، وتنهي وجودها من أجل فكر عقيم، وعادات وتقاليدَ بالية، وقد شهدت الأرض قبل مولده الشريف ظلما في كل مكان، ووثنياتٍ متعددة، سواء في الشرق أو الغرب، أو الشمال أو الجنوب، وفي كل مكان، كنت تجد الظلم ماشياً على الأرض، أو مُواجِهًا لك في كل سلوك، ثم وُلِدَ الرسول الكريم، فوُلِدَتْ معه القيم النبيلة، ونبتت الأخلاق الكريمة، وترعرع العدلُ، وانتشى الحقُّ، وظهرت الصنائعُ الطيبة، وعاد الخلقُ إلى جميل فطرتهم، وبديع طبيعتهم، فبدأ الناس يعرفون معنى الأخوة، ويدركون قيمة الصدق، ويُتقنون معنى النبل، ويتذوقون دلالات العز، ويستنشقون هواء التعاون، والبذل، والتضحية، وبَدَا في سلوكهم معنى الوفاء، والصفاء، والنقاء، وأدركوا المعنى الجميل للإنسانية الحقة التي تحترم الإنسانَ لكونه إنسانا، لا لنسبه، ولا لحسبه، ولا لعرقه، ولا لدمه، ولا للونه، ولا للغته، ولا لجنسيته، ولا لما هو عليه من ملة ونِحْلة، ولا لماله، وجاهه، ولا لقبيلته وأصله، فقد قال رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم):(كلكم لآدم وآدم من تراب)، ونقل عنه قوله:(ألا، لا يبغي بعضكم على بعض، وكونوا عباد الله إخواناً)، ونحو:(والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يارسول الله؟، خاب وخسر، قال: من لا يأمن جارُه بوائقَه)، وقال:(من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِمْ ضيفه، ومن منكم كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره)، سُنَّتْ آدابٌ، وشُرِعَتْ قيمٌ، وظهرت أخلاق، وافتُرِضتْ أحكام، ورُوعِيَتْ ضوابطُ، وكان مولده الشريف مبعثَ أمل للبشرية كلِّها، وكانت تلك البشرية حيرى على مفترق الطرق، تتخبط هنا، وتصطدم هناك، وتلاقي الويلاتِ جَرَّاءَ تلك الملل، والنحل وهاتيك الإفرازات البشرية الظالمة، حتى ظهر البدر، وأشرقت الشمس، وطلع القمر، وأنار النور (صلى الله عليه وسلم)، فوضع الأمور في نصابها، وأقام المعوجَّ، وأحقَّ الحقَّ، وأرسى معالم الإنسانية الكريمة، وقال عن نفسه:(إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق)، ولما وصفتْه السيدة عائشة ما وجدت ما تصفه به إلا قولَها الشريفَ:(كان خلقه القرآن)، أيْ مَنْ كان يريد أن يتعرف على الرسول الكريم، فليقرأ القرآن كاملاً، ويتعرف قيمه، وأخلاقياته، وضوابطه، وتشريعاته، وآدابه، وسماته النبيلة، عندئذ يعرف الرسول الكريم الذي كان مصحفًا يسير على قدمين، وقرآنا يمشي على الأرض، فَسَنَّ لنا كلَّ خير، وعرَّفنا على كل نعمة، وأوضح الطريقَ، وأنار للبشرية كلها السبيلَ، وكانت حياته مولدا جديدا للبشرية الحقيقية، وكان، وظل، وسيظل وجوده قدوة لنا، وأسوة سامية، نأتسي بها على طول الحياة البشرية كلها، حتى نلقى الله:(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)، ولذلك امتنَّ الله علينا بمننه العظيمة وآلائه الكريمة بمولده الشريف ومبعثه العظيم وسجل ذلك في كتابه العزيز علينا بمولده ومبعثه فقال:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران ـ 164).

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى