الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أزمة سد النهضة
أزمة سد النهضة

أزمة سد النهضة

ظل ملف سد النهضة الإثيوبي إحدى أهم القضايا العالقة على الخريطة الإفريقية منذ عقود، ودخل هذا الملف منعطفات كثيرة خلال تاريخه. وللتعريف بهذا السد هو سد إثيوبي كبير قامت إثيوبيا بمسح مواقعه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من قبل بعثة مسح أميركية وتم تحديد مواقعه، ولكن نفوذ الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في القارة الإفريقية حال دون إقامة هذا السد، وتحدثت إثيوبيا عن رغبتها في إنشاء السد في السبعينيات وكان رد الرئيس السادات حازما حيال ذلك أيضا، وأن أي إضرار بحياة المصريين من قبل إثيوبيا لا يمكن التساهل تجاهه، وسيتم قصف سد النهضة إذا ما فكرت إثيوبيا ببنائه، وسيتم تدميره. واستمرت أحلام إثيوبيا في إنشاء هذا السد الكبير، واليوم تتواصل أعمال إنشاء السد في ولاية بني شنقول على النيل الأزرق في الحدود الإثيوبية ـ السودانية ولمسافة تتراوح بين ٢٠ إلى ٤٠ كيلومترا، ويبلغ تكلفة السد ما يقرب من (٥) مليارات دولار، وتم الانتهاء من ٦٣% من أعماله، ويتوقع أن يبدأ العمل في تشغيل بعض المولدات العام القادم قبل الانتهاء من إكمال السد، فيما يتوقع الانتهاء من أعمال السد في عام ٢٠٢٢م. وينظر خبراء المياه في مصر إلى أن سد النهضة سيؤثر على حصتي مصر والسودان من مياه النيل بشكل يعرض الأمن المائي للدولتين للخطر الداهم، وخصوصا في سنوات الجفاف التي تحدث في دورة النيل، وقد ارتبط التاريخ المصري بهذا النهر العظيم أيما ارتباط. وهناك الكثير من المأثورات التاريخية التي تتحدث عن هذا النهر منذ العهد الفرعوني وحتى التاريخ الحديث، كما أن هناك معاهدات دولية تضبط عملية الإنشاءات لدول حوض النيل بحيث لا تتأثر حصص الدول المتشاركة في هذا النهر بأي أعمال أو إنشاءات تحدث على منابع النيل أبرزها اتفاقية ١٩٠٢م واتفاقية ١٩٢٩م، وكذلك اتفاقية ١٩٥٩م التي لا تجيز أية أعمال على منابع النيل بدون موافقة مصر، وبالتالي لا بد من اتفاق بين دول الحوض في حال رغبة إثيوبيا في إقامة أية مشروعات مائية على منابع النيل .
كانت مصر تعتبر أي تفكير بإنشاء سد النهضة بمثابة خطر داهم على الأمن القومي المائي، وكانت مصر ترفض بأي حال من الأحوال فكرة إقامة مثل هذا السد نظرا لتأثيره الخطير على مصر التي تنال من حصة مياه النيل ما مقداره خمسة وخمسون ونصف (٥٥،٥) مليار متر مكعب سنويا، فيما تحصل السودان على حصة (١٨،٥) مليار متر مكعب، وسوف تتأثر المرافق والسدود المائية في مصر والسودان بأي تقليص في حصص المياه. فالسد العالي بمصر مثلا الذي أنشاه الزعيم عبدالناصر لمواجهة فترات الجفاف، وحفاظا على المياه فترة الفيضان وحماية مصر من أخطار الفيضانات، وكذلك الاستفادة من هذا السد في توليد الكهرباء، فهذا السد ربما تتوقف مولداته في حال تراجع منسوب مياهه في حدود معينة، ومن خلال السد العالي تكونت بحيرة ناصر على الحدود بين دولتي مصر والسودان واستفادت الدولتان من هذه البحيرة في فترات الجفاف، كذلك يوجد ثلاثة سدود أخرى في السودان هي الرصيرص وسنار ومروي، وهذه السدود الثلاثة تعد مخزونا احتياطيا للسودان. والاتفاقية الدولية للأنهار تكفل لمصر والسودان عدم تأثر منشآتهما وحصصهما المائية بفعل أي عمل تقوم به دولة المنبع، ولكن إثيوبيا بدأت فعليا في إنشاء هذا السد العظيم بتاريخ ١ أبريل ٢٠١١م في ذروة أحداث “الربيع العربي” دون الرجوع لمصر والسودان، واستغلت السنوات الماضية في استكمال بناء السد الذي يزمع الانتهاء من أعماله في عام ٢٠٢٢م، ومن الممكن البدء في تشغيله العام القادم نظرا لاستكمال نسبة كبيرة من أعمال السد، وخصوصا المولدات المنشأة على جانبي السد، وهي ١٦ محطة، ما يعد أضخم مشروع كهرومائي في إفريقيا ومن أضخم ١٠ مشاريع سدود حول العالم. لذلك تستشعر مصر خطورة مشروع سد النهضة على أمنها المائي، واتجهت إلى محاولة حل الأمر بطريقة دبلوماسية وتم الاتفاق على إعلان مبادئ بالخرطوم في مارس ٢٠١٥م، إلا أن هناك حالة من الغموض تكتنف الموقف من قبل إثيوبيا نظرا لرغبتها في ملء هذا السد وتشغيله خلال سنوات قليلة؛ أي أنها تعمل بشكل أحادي دون مراعاة للقانون الدولي واتفاقيات الأنهار التي تحكم وتنظم عملية الإنشاءات في دول المنبع ودون مراعاة لبقية دول حوض النيل، مبررة ذلك على لسان رئيس وزرائها السابق بعدم تأثر تدفق المياه لدول المنبع، وهذا تجاهل مستغرب من قبل إثيوبيا مع العلم أن مياه النيل تمر بفترة جفاف في كل دورة سنوات وذلك في الظروف الاعتيادية .
البند العاشر في اتفاق إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم ينص على تدويل القضية وإشراك طرف دولي، فيما إذا فشلت دول الحوض الاتفاق فيما بينها، ويجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث اليوم في واشنطن بحضور البنك الدولي كطرف دولي رابع للبحث عن حل لهذه الأزمة، وتنحصر نقاط الخلاف بين دول حوض النيل في قواعد الملء والتشغيل، بحيث ترغب مصر أن يتم ملء السد خلال سنوات الفيضان ووفرة المياه ولفترة لا تقل عن ١٠ سنوات، وقد تزداد أكثر من ذلك مراعاة لدولتي المصب في فترات الجفاف التي يتعرض لها نهر النيل، مع تجنب الإضرار بالأمن القومي المائي لدول المصب، خصوصا في ظل النقص الحاد الحالي من المياه الذي تعاني منه مصر والسودان؛ لذا تقترح مصر أن يتم تقليص حصتها والسودان بما مقداره ١٥ مليار متر مكعب خلال العام بواقع ١٠ مليارات من حصة مصر و٥ مليارات متر مكعب من حصة السودان، وذلك لتتمكن من تفادي أخطار النقص الحاد خلال فترات الجفاف. ويشكل النيل الأزرق عصب مياه النيل مع المنابع الأخرى مثل النيل الأبيض ونهري عطبره والسوباطي كروافد لهذا النهر العظيم، وتمر دورة مياه النيل بدورة كاملة كل ٢٠ عاما منها سبع سنوات فيها غزارة ثم ست سنوات متوسطة وبعدها سبع سنوات عجاف، وقد تمت الإشارة إلى ذلك في القرآن الكريم، ولمصر قصص كثيرة متنوعة وعلاقة تاريخية خاصة وكبيرة مرتبطة بنهر النيل العظيم .
إثيوبيا لم تبد أية وضوح في مسألة الملء والتشغيل للسد، وتزمع إكمال الملء والتشغيل خلال سنوات قليلة دون الأخذ بالحسبان تأثير ذلك على بقية دول الوادي، لا سيما أن الاحتياطي الذي تعتمد عليه مصر في بحيرة ناصر والسد العالي لا يفي بالغرض في الظروف الاعتيادية، حتى أن مولدات الطاقة في السد العالي ستتوقف عن العمل بمجرد بلوغ منسوب مياه السد العالي إلى مستوى منخفض، مع الأخذ بالاعتبار مستوى المنسوب الميت الذي يوجد به الطمي، وبالتالي فإن إنشاء سد النهضة يعرض مصر والسودان لخطر داهم على أمنهما القومي .
هناك نقطة أخرى مهمة في موضوع سد النهضة تتمثل في مستوى الاستنزاف الدائم الذي يحدث في الأوضاع الاعتيادية لعمل سد النهضة وكمية النقص الذي ستتعرض له المياه بسبب وجود هذا السد الكبير، كذلك فإن الظروف المستقبلية التي قد تصاحب العلاقات الدولية على المدى القادم واحتمالية دخول أطراف دولية على هذا الخط، ما قد يؤثر على حياة الشعب المصري والذي ينذرهم بكارثة كبرى وحالة من العطش إذا ما حدثت أية أحداث سلبية على العلاقات الدولية .
جمهورية مصر العربية كانت ترفض حتى فكرة إقامة مثل هذا السد على منابع النيل من الأساس، ولكن أصبح الحديث عن سد النهضة واقعا قائما، وقد حاولت مصر تغليب لغة الدبلوماسية في هذا الملف، حيث التقى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد في أكتوبر الماضي خلال قمة سوتشي الإفريقية الروسية، كما كانت للجهود الدبلوماسية جولات ولقاءات ومؤتمرات لخبراء المياه من أجل العمل على تنظيم وتقنين عملية ملء وتشغيل السد بما يجنب مصر والسودان كارثة مائية في المستقبل، وهذه السياسة البراجماتية التي تتعامل بها مصر والسودان ينبغي أخذها بعين الاعتبار من قبل إثيوبيا، فمسألة إقامة سد النهضة كان من المستحيلات خلال العقود الماضية، واليوم أصبح الأمر واقعا ماثلا للعالم، وهنا ينبغي لإثيوبيا إبداء نوايا حسنة في زيادة سنوات الملء والتشغيل، خصوصا في ظل عدم تأثرها بأية آثار سلبية .
المؤتمر المنعقد حاليا في واشنطن والذي دعت إليه الولايات المتحدة بحضور البنك الدولي كطرف دولي رابع والذي جمع الدول الثلاث يعول عليه أن يخرج بنتائج إيجابية لحفظ حقوق الشعب المصري والسوداني، وتقليل حجم الضرر المحتمل على مصر والسودان، ومن حق مصر والسودان طلب لجنة دولية لمراقبة آلية عمل هذا السد بعد إتمام إنشائه، لأن العلاقات الدولية المستقبلية بين دولة المنبع ودول المصب كفيلة بالإضرار بحياة أبناء الشعب المصري والسوداني، لذا ينبغي تنظيم آلية التشغيل والملء والتفريغ لسد النهضة، ووضع اتفاقية دولية جديدة تنظم العمل بهذا السد في المستقبل، وإلا فإن البديل المحتمل هو خلق مشكلة دائمة بين دول حوض النيل تتأرجح بين مد وجزر وقضية مؤرقة للأمن القومي بمصر والسودان ربما تتدخل من خلالها القوى الدولية للضغط على هذه الدول في قضايا أخرى، وخصوصا ما يتعلق بإسرائيل ومساومة مصر في أمنها القومي، كذلك لا يستبعد تطور الأحداث إذا ما شعرت مصر بخطورة هذا الملف على أمنها القومي، وعلى إثيوبيا تدارك تلك المعطيات وقراءة التاريخ جيدا؛ فالعلاقات العربية ـ الإثيوبية منذ ما قبل الإسلام وإلى اليوم مرت بفترات من حسن الجوار في أغلب تاريخها، وينبغي مراعاة هذه العلاقات مع العرب. أما استغلال مفصل تاريخي معين لفرض الأمر الواقع فهذه سياسة مرفوضة لن تجلب الخير للأمن الإقليمي في القارة الإفريقية عموما، فمصر تبقى مصر وإن مرت عليها سنوات كبيسة، والعرب يرون في مصر خطا أحمر لا يمكن المساس به، فهي عمق الأمة وقاعدة انتصاراتها طوال التاريخ، والتاريخ علمنا من هي مصر وما يمثله نهر النيل العظيم لها.

خميس بن عبيد القطيطي
khamisalqutaiti@gmail.com

إلى الأعلى