الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مصر بين الرقم المصرفي والمناشدة

مصر بين الرقم المصرفي والمناشدة

عادل سعد

مع سعة دفتر حاجات مصر، وتعاظم المنصات المعيشية المقلقة، تظل لافتة حقا، تلك الدعوات التي تصدر عن خبراء وطنيين في الشؤون المالية بين الحين والآخر يناشدون فيها الشعب المصري بضرورة اعتماد مبادرات اجتماعية لدعم جنيه بلادهم.
من الطبيعي أن يتحدث هؤلاء حسابيا مشيرين إلى إجراءات معينة لوقف تدهور سعره مقابل عملات أخرى راجحة، ولكن أن يلجأوا إلى هذا الطرح الانتخائي التحفيزي لدعم سعره وهم مسؤولون ماليون متمرسون في سباق العملات، فإن هذا اللجوء يبدو للوهلة الأولى بدون أية وجاهة، خصوصا أن الأرقام ـ وليس غير الأرقام ـ ما يحكم مواقفهم، ولكن دخولهم المتكرر على موضوع الدعم المجتمعي ينبغي أن يثير الانتباه إلى أن الهامش الأخلاقي والوطني حاجة أساسية حتى في أدق خلاصات العمليات المالية الحسابية، ومع أنهم لم يطرحوا برنامجا معينا بشأن تلك المبادرات التي ناشدوا باعتمادها، إلا أن الشروع بمبادرات من هذا النوع ليست بالمهمة المعقدة.
كل ما يحتاجه المواطنون، توسيع دائرة الإيمان بأن عملتهم هي جزء من مفردات وجودهم يعتزون بها مثلما يعتزون بموجوداتهم الشخصية الأقرب لديهم، وهذا لم تتأسس له قاعدة عريضة حتى الآن مع الأسف.
إن الاحتفاظ بالجنيه يعني ادخاره إلى أن تحين ضرورة التصرف به، وليس أن يدخل طرفا للمضاربة، وهكذا يتقنن عرضه، ولا شك أيضا أن الابتعاد عن متوالية السقوط المفتوح بنزعة اقتناء السلع يمثل فرصة مضافة لحمايته من تلك المضاربة، وبالمقابل إن الإقبال المتوازن على السلع الوطنية كفيل في إبقاء معدلات سعره عند الحدود الاعتيادية، وتلك خطوة أساسية لقطع الطريق على أية إضافات تضخم تصيب البلاد.
في اليد أيضا، مبادرات اجتماعية أخرى لصناعة نقاهة له من خلال تكوين حصانة شعبية قي مواجهة الأخبار المزيفة عن قيمته السعرية، فلا شك حين يكون هناك استهداف معين للحط من قيمة أية عملة لا بد أن يترافق مع هذا الاستهداف تلفيق حزمة من التقارير الزائفة المضللة عن مخاطر مزعومة تتهدد سعره؛ أي استدراج مقتنيه إلى الإسراع باستبداله بعملات أخرى، ما يتسبب بفائض نقدي منه في السوق، بينما يحصل العكس لو انهم تصرفوا خلاف ذلك، مع يقيني أن أغلب الذين يسعون إلى إحطاط الجنيه المصري يشهرون أنفسهم أصدقاء للقاهرة في نفاق سياسي هدفه المبطن الاستقواء بضعف مصر!
إن الالتزام بالقراءة الوطنية لحركة السوق واحدة من الأسبقيات المركزية، فليست الوطنية فقط أن تتفاخر باستعدادك لحمل السلاح دفاعا عن بلادك، بل أيضا أن تصون اقتصاده، وبالتالي تصون قيمة عملته؛ أي أن تكون مساهما نشطا في تعزيز ملاذات آمنة لها، وبمعنى توضيحي، الاستثمار في الأخلاقيات الاقتصادية السيادية.
لا غبار على الحقيقة القائلة إن الحاجة ملعونة، ولكن تبقى الحاجة إلى شراء رغيف خبز ليس كما الحاجة إلى شراء بدلة سهرة. إنه التوصيف الواقعي لمقاربة قاطعة (لا تشتري كل ما تحتاج إليه، بل ما لا تقدر أن تعيش بدونه)، وامتدادا لهذا المنهج، يكون الانتصار في الكفاف المعيشي تدريبا تنمويا لا يمكن أخلاقيا التخلي عنه طالما هناك مسافة حسابية بين قيمتي الصفر والواحد، والمحزن أن تلك المقاربة لا يتحلى بها الكثيرون.
إن عملة أي بلد هي جزء من مفردات أمنه القومي، ولعل ما اندفع إليه أثرياء سوريون من دمشق وحلب في الأيام القليلة الماضية بشراء كميات كبيرة من ليرة بلادهم إلا خطوة وطنية رائدة لدعم سعرها، وقد نجحت الخطوة إلى حد ما في إنعاش قيمتها ولو جزئيا، مع العلم أن المتآمرين على سوريا (رموا) فيها أكثر من سبعين مليار دولار أميركي لإخراج الليرة السورية من التداول.
ويسجل للسوريين أيضا أنهم نجحوا في إبقاء التيار الكهربائي في أغلب مناطق سوريا أربعا وعشرين ساعة على أربعة وعشرين توصيفا لاستمراره رغم ويلات الحرب التي شنت على سوريا طيلة ثماني سنوات.
لقد أصبح مشهدا مألوفا أن تدخل فرق صيانة المنظومات الكهربائية إلى البلدات والمدن التي يحررها الجيش العربي السوري بعد ساعات من تحريرها، وأن يسارع معها مواطنون متطوعون لإعادة التيار الكهربائي.
المواطن أحد أهم أطراف التنمية، إذ لا بديل عن مساهمته الفاعلة في صيانتها، إنه إحدى الضمانات الأساسية لنجاحها، وبانتظار أن يتوسع الاستثمار في مجال الأخلاقيات الاقتصادية، تبقى فرص الإصحاح الاقتصادي متعثرة، مهما اتسعت المناشدات والآمال.

إلى الأعلى