الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / من مساعي شطب الوكالة إلى تعيين الأسوأ

من مساعي شطب الوكالة إلى تعيين الأسوأ

علي بدوان

على أبواب انعقاد جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، للتمديد لولاية وكالة الأونروا لثلاث سنوات قادمة، جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساعداتها لــ”إسرائيل” في حربها ضد الوكالة، وهي الجهة الدولية المعنية بتوفير الرعاية للاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى أرض وطنهم فلسطين، طبقا للقرار الأممي 194 الصادر عام 1949. فإدارة الرئيس ترامب تعمل ضد الأونروا منذ بداية تسلمها لمهامها. ومن بين أمور أخرى، كانت قد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وقف المساهمة الأميركية بالتمويل المالي لعمل الوكالة.
إذا، في الأسبوع القادم، ستبدأ اللجنة الرابعة في الجمعية العامة مناقشات حول تجديد ولاية الأونروا للسنوات القادمة. ونظرًا لأن الغالبية التلقائية في الأمم المتحدة لا تسمح بإغلاق الوكالة، تحاول “إسرائيل” والولايات المتحدة تشديد الرقابة عليها وزيادة الشفافية. وفي المناقشات الأولية بين الوفدين “الإسرائيلي” والأميركي، يسعيان لتقديم شرطين أساسيين. أولا، تقصير ولاية الأونروا، بحيث تجدد مرة كل سنة، وليس مرة كل ثلاث سنوات كما هي اليوم. الشرط الثاني الذي تنويان إدخاله هو زيادة الشفافية، بحيث يتعين على الأونروا أن تنشر بالتفصيل جميع أنشطتها الاقتصادية، بعد توجيه الاتهام بالفساد للوكالة من قبلهما، وهو اتهام سياسي لإضعاف الوكالة في سياق المعركة التي تخوضها واشنطن وتل أبيب لتفكيك الوكالة وإنهاء خدماتها، وبالتالي طمس قضية لاجئي فلسطين، والتي تشكل جوهر القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني. مع أهمية التمييز الكامل بين مكافحة الفساد، كعمل إيجابي، يهدف إلى تطوير عمل الأونروا، وبين تحويل الفساد إلى ذريعة لتقليص خدمات وبرامج الوكالة وتقليص تمويلها. فالإدارة الأميركية آخر من يحق له التحدث عن مكافحة الفساد، وهي الغارقة حتى أذنيها بشخص رئيسها، بفضائح الفساد السياسي، والتي تحولت إلى واحدة من القضايا الكبرى على جدول أعمال المؤسسات التشريعية في الولايات المتحدة.
وعليه، المسعى الأميركي لإنهاء عمل وكالة الأونروا، ليس بعيدا عن تطورات الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، وتحديدا منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى موقع القرار الأول في الإدارة الأميركية نهاية العام 2017، حين بدا المشهد السياسي الشرق أوسطي يسير باتجاه التعقيد. فالرئيس ترامب، أعلن وبالصوت العالي، انحيازه العملي لدولة الاحتلال “الإسرائيلي”، فكان خلال الفترة التي مضت حتى الآن من رئاسته أكثر الرؤساء الأميركيين انحيازا، ودعما، وإسنادا لدولة الاحتلال، وقد حقق لها ما كانت تصبو إليه من أهداف متتابعة، بدءا من الاعتراف بالقدس الموحدة كعاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة إليها، وصولا للاعتراف بالضم غير الشرعي للجولان السوري المحتل وإلى شطب عبارة فلسطين والسلطة الوطنية الفلسطينية من الخرائط والوثائق الأخيرة التي تعود للخارجية الأميركية.
الموقف الأميركي المنحاز، وبشكل فاقع لدولة الاحتلال، لم يترك أمام السلطة الوطنية الفلسطينية، من خيارات سياسية، بل وضعها في مأزق كبير، أمام شعبها، وأمام الواقع، وأمام المتغيرات الجارية كل يوم، عدا عن سلسلة الضغوط التي لم تتوقف على عموم الحالة الفلسطينية، بما في ذلك استخدام حرب التجويع في مواجهة الحالة الفلسطينية عموما، عبر الوقف الأميركي الكامل للمستحقات المالية السنوية المفترضة من الولايات المتحدة لوكالة الأونروا، التي تقدم خدماتها الصحية والتعليمية، وخدمات الإغاثة الاجتماعية لأكثر من نصف سكان الأرض المحتلة عام 1967، خصوصا في القطاع حيث تصل نسبة اللاجئين الفلسطينيين إلى نحو 65% من العدد الإجمالي لمواطني القطاع، وإلى نحو 35% من مواطني القدس الشرقية والضفة الغربية، عدا كامل الشتات الفلسطيني في دول الطوق (سوريا + لبنان + الأردن).
ولا ننسى أن الإدارة الأميركية كانت قد عملت على تعيين فريق متصهين من يهود الولايات المتحدة لمتابعة الملف الشرق أوسطي، وعلى رأسه شاب مُستجد على عالم السياسة، وليس لديه الحد الأدنى من الخبرة والمهنية، ونعني صهر الرئيس ترامب (جاريد كوشنير) وهو ما يلخص الصورة، خصوصا وأن العضو الآخر في الفريق (جيبسون جرينبلات) من عتاة اليهود الصهاينة في الإدارة الأميركية، إضافة لسفير واشنطن في فلسطين المحتلة المستوطن ديفيد فريدمان الذي يقيم في إحدى مستعمرات منطقة القدس. ويُشار في هذا الصدد أن المبعوث الأميركي الخاص في الشرق الأوسط، جيبسون جرينبلات، قدم استقالته من منصبه، في الوقت الذي تعد فيه الإدارة الأميركية العدة لنشر “خطة السلام”. وكان جرينبلات قد قام بدور رئيسي في العمل على الخطة، وليس من الواضح كيف سيؤثر قراره على موعد نشرها. جرينبلات محامي ترامب الشخصي لسنوات، قبل أن ينضم إلى البيت الأبيض مع بدء ولاية موكله. وادعوا في البيت الأبيض أن الاستقالة لا علاقة لها بالعمل على الخطة، وأن جرينبلات خطط منذ بداية وظيفته في الإدارة للبقاء في منصبه لمدة عامين فقط، وأخيرا بقي في منصبه لمدة عامين ونصف، وانشغل جرينبلات نفسه منذ إعلان استقالته بالعودة إلى مهمته المفضلة، المتمثلة بتوجيه انتقادات لاذعة للفلسطينيين، وكل ما يمت لهم بصلة، خصوصا “وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ـــ الأنروا” التي يُكن لها ضغينة وحقدا، ويعتقد أن القضاء عليها سيؤدي حتما للقضاء على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
فيما تم تعيين (آفي بيركوفيتش) مكانه، وهو الشخص الذي وصفته الدوائر الإعلامية الأميركية والغربية و”الإسرائيلية” والمعروف بانحيازه الفاقع للمشروع الصهيوني، وهو ما يشكّل دليلا على مدى الانحياز الفاقع للإدارة الأميركية لدولة الاحتلال، لصالح مشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية والأمنية على المنطقة.
وبالنتيجة، إن استقالة جرينبلات لن تغير من صورة المشهد، بل إن غيابه دفع بالإدارة الأميركية للإتيان بمتطرف آخر لينضم إلى الفريق المتصهين في موقع القرار، والمعني بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية. فقد ذهب جيبسون جرينبلات، صاحب السياسة السيئة بالنسبة للقضية الوطنية الفلسطينية، وحضر الأسوأ … بل والمنحاز إلى جانب المشروع الكولونيالي الاستعماري الصهيوني على أرض فلسطين.

إلى الأعلى