الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مجلس الشورى وبناء الديمقراطية
مجلس الشورى وبناء الديمقراطية

مجلس الشورى وبناء الديمقراطية

مع استعداد البلاد للاحتفال بالعيد الوطني الـ49 المجيد، والذي يشهد كل عام مرحلة جديدة من مراحل النهضة المباركة، أجريت منذ أيام قليلة انتخابات الفترة التاسعة لمجلس الشورى، وشارك فيها نحو 350 ألف ناخب وناخبة يمثلون نحو 49% ممن لهم حق التصويت، لاختيار 86 نائبا موزعين على 61 ولاية، وتجدد الانتخابات كل 4 أعوام، ونالت عملية إشادات عالمية، ولفتت الأنظار الإقليمية، ليس بحسب سلاستها، ولكن في تطورها كتجربة قوية لبناء أفضل نموذج من الديمقراطية في المنطقة.
بناء الديمقراطية لم تكن وليدة اليوم، بل بدأت مع بزوغ فجر النهضة ومنذ ما يقرب 40 عامًا، عندما جرى تأسيس المجلس الاستشاري عام 1981، وبعدها بعشر سنوات حل مجلس الشورى في صورته الحالية بديلا عنه، ومُنح مجلس عمان بجناحيه مجلس الدولة (يتم تعيينه) ومجلس الشورى (يتم انتخابه) صلاحيات تشريعية ورقابية، بموجب المرسوم السلطاني رقم (39/2011)، وأصبح للأخير حق اقتراح مشاريع قوانين وتعديل أخرى، ودراسة خطط التنمية والميزانية والاتفاقيات، واستجواب وزراء الخدمات، ورفع ما يتوصل إليه الاستجواب لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه.
وكما تظهر ملامح التشييد البنائي بمرور الوقت ومع كل حجر يوضع في البنيان، تعكس كل مرحلة انتخابية تطور تجربة السلطنة لبناء الديمقراطية، وبالتأكيد وصلت لأوجها في الانتخابات الأخيرة، فبخلاف عملية توزيع المقاعد على الولايات والمتبعة من قبل بتخصيص مقعدين للولايات التي يزيد سكانها عن 30 ألف نسمة ومقعد واحد للتي يقل سكانها عن هذا الحد، نجد أن دلالات وانعكاسات عملية الانتخاب من بدايتها وحتى نهايتها تعزز فكرة بناء نموذج حميد للديمقراطية.
شهدت أعداد المقيدين في السجل الانتخابي زيادة بنسبة 20% مقارنةً بالدورة الماضية، وخاض الانتخابات نحو 637 مرشحا بينهم 40 امرأة، وهو ضعف عدد المرشحات في انتخابات الفترة الثامنة التي أجريت عام 2015 والتي خاضتها 21 مرشحة فقط، وترشحت النساء على مقاعد من كل الولايات باستثناء محافظتي الوسطى ومسندم، فيما فازت امرأتان مقارنة بفوز امرأة واحدة في الفترتين السابقتين.
ويعتبر تنامي الوعي بالديمقراطية والمشاركة السياسية من أهم انعكاسات الانتخابات، فقد شهدت عملية الاقتراع إقبالا على اللجان المختلفة في جميع الولايات، لإدراك المجتمع بأهمية المجالس التشريعية والرقابية، وتعزيز فرص المشاركة في بناء الديمقراطية، كذلك ازدياد عدد المرشحات يبين نمو وعي المرأة العمانية وتحفيزها على التواجد واستغلال خطط وإجراءات التمكين التي توفرها الحكومة، كما تم السماح للمقيمين في الخارج بالتصويت لأول مرة.
وكما عهدنا من التجارب العالمية أن الضمانة الأكبر لنجاح الديمقراطية ليست المشاركة أو الحشد، بل تهيئة البيئة المحلية والإجراءات، وأن تفرز التجربة مشروعا وطنيا متكاملا، لذا كان المشروع الوطني هو الضمانة الأهم لانتخابات الشورى، فتم استخدام أجهزة إلكترونية ـ لأول مرة ـ محلية الصنع، تم تجهيزها وتجربتها وقياس معامل الخطأ للوصول به للمعادل الصفري قبل بدء الانتخابات، وبالفعل تم تطبيق عملية التصويت الإلكتروني في 994 لجنة على مستوى السلطنة، وتم استخدام الأجهزة في كل المراحل بدءًا من عملية التصويت بالخارج ووصولا إلى إعلان النتائج، وامتازت العملية بأنها مؤمنة إجرائيا وموثقة أمنيا لعدم التلاعب في الأصوات، سواء في عملية الاقتراع أو الفرز أو إعلان النتائج.
فكرة تيسير الإجراءات أيضا لم تقف عند هذا الحد، بل وصلت للمقرات أيضا، فقد جرى الاقتراع في 110 مراكز انتخابية، بينها 19 مركزا مخصصا للذكور، و19 مركزا للإناث، بالإضافة إلى 72 مركزا مشتركا، كما تم تحديد 8 مراكز انتخاب موحدة موزعة على 5 محافظات.
لا أستطيع إخفاء إعجابي بالتجربة الرائدة إقليميا، والتي وضعت نفسها في مصاف التجارب العالمية المميزة، وكلي يقين أن عملية بناء الشورى ستستمر في السنوات المقبلة، مرتكزة على توجهات حضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ والحكومة، واستثمار انطلاقة مجلس شورى عمان مع بدايات تنفيذ رؤية عمان 2040 في يناير المقبل، كما لا يمكن إغفال التلاحم المجتمعي بين الشعب والحكومة لتبني مشروع وطني يسهم في تنمية الوعي وزيادة رقعة المشاركة وتعزيز المسؤولية الوطنية، وهي البيئة المناسبة التي تنمو فيها الممارسة الشوروية وتكون أحد مخرجات هذا المشروع.. فهنيئا لكل عماني ساهم في بناء التجربة الشوروية والتي تؤكد أن النهضة المجيدة التي أرسى قواعدها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ يزداد عطاؤها يوما بعد يوم وعاما بعد عام.

جودة مرسي

إلى الأعلى