الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : في سلوك صاحب المناسبة العبرة الحسنة

رأي الوطن : في سلوك صاحب المناسبة العبرة الحسنة

تحتل ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم مكانة عظيمة في قلوب المسلمين كافة، ذلك لما تحمله هذه الذكرى من معانٍ سامية ومآثر جليلة، وأدوار عظيمة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فمولده كان بداية انبلاج فجر الحق المُبدِّد لظلمة الجاهلية، والناقل لحياة الناس من حياة دنيا وضيعة خيمت عليها مظاهر جمة تتنافى مع الفطرة السليمة، وتتناقض مع حكمة خلق هذا الكون وخلق الإنسان، وأضاعت دور العقل والتفكر، وأتاحت المجال أمام العواطف المتسلطة عليها الأهواء، فحادت البشرية عن طريق استقامتها، وعن ما يقومها ويبصرها ويهديها طريق الاستقامة والرشاد.
لقد عانى الناس في ظلال الجاهلية ردحًا من الزمن اختلطت فيها الدماء والأنساب، وسلبت الحقوق ووضعت الفطرة السليمة، وانتهكت حقوق المرأة، وكان للحجارة نصيب من التقديس والتبجيل والقرابين والتي صنعت من النصب والأوثان والأصنام، وغير ذلك مما خلقه الله واتخذ صنمًا وإلهًا يعبد من دون الخالق سبحانه وتعالى، وتناسى المتخذون من تلك الحجارة وغيرها الآلهة من خالقها ومكونها، فتاهت مع كل ذلك العقول وغيبت تحت وطأة طائلة الملذات الدنيوية.
إن المولد النبوي الشريف كان اللحظة التاريخية التي شاءت الإرادة الإلهية أن تبني عليها ركائز التحول والتغيير والإيذان بإخراج الناس من ظلمة الباطل إلى نور الحق المبين، وإعلاء صروح الحق والعدل والخير والتنظيم، وإعلاء قدر الإنسان ومكانته واحترام حقوقه، وتبيان معنى الخلق وخلقه، والحكمة من كل ذلك، ودور الإنسان في هذا الكون.
بمولد خير الأنام كان نقطة البداية وتتالت إرهاصات نبوته، وبمبعث مبدد الظلام عليه أفضل الصلاة والسلام كان الكون في انتظار هذه اللحظة لاستقبال ضياء الحق. ومثلما كان مولده صلى الله عليه وسلم مؤذنًا ببدء رسالة هادية للبشر، كان في سلوكه أبرز مواطن الموعظة الحسنة. ولعل ما واجهه في بداية حياته الدعوية من عنت ومشقة واتهامات وملاحقات من مشركي قريش ـ رغم اشتهاره بينهم بأنه الصادق الأمين ـ بقدر ما يكشف لنا حجم الصراع بين الحق والباطل بقدر ما يبين رجاحة العقل وحسن التصرف والسلوك للرسول صلى الله عليه وسلم في مواجهة مشاق الدعوة وتجنب الوقوع في التهديدات والملاحقات وتجنب تبعاتها. فحين ناصبوه العداء وقرروا التخلص منه كان خياره الهجرة من أرض إلى أرض أخرى، راجيًا أن يكون الخير في الأرض الأخرى، وأن يكون حسن التقدير والتدبير في أهلها.
إن في هذا الموقف وغيره من المواقف الحكيمة التي عبرت بحق عن نبوته وعن رجاحة عقله، وعن تأييده بالوحي وإحاطته بالعناية والرعاية الإلهية، تمثل طريقًا قويمًا لنا نحن المسلمين، لذلك الاحتفال بذكرى مولد رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ينبغي أن يكون تجديدًا للعهد، وتجديدًا للالتزام بالسير على نهجه وسيرته، وعدم مخالفته في كل شيء، وما يصدر عن معظم المسلمين اليوم من تصرفات ومواقف تتعارض مع القرآن الكريم، ومع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تخدم وحدة المسلمين بل تمزقهم، وتوالي أعداءهم، أمر يحتاج إلى مراجعة أمينة وصادقة، والتوقف عن خدمة أعداء الإسلام والمسلمين، والعمل على تبيان حقيقة الإسلام وتوضيح صورته، والبدء بذلك يعد أروع وأجمل احتفال بذكرى مولد سيد الخلق عليه أفضل الصلام وأزكى السلام.

إلى الأعلى