الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ألهذا السبب انهار جدار برلين؟!
ألهذا السبب انهار جدار برلين؟!

ألهذا السبب انهار جدار برلين؟!

مر 30 عاما على انهيار جدار برلين، وانتهاء الحرب الباردة معه، ومنذ 9 نوفمبر 1989 كان يتوقع الكثيرون في أوروبا أوضاعا أكثر إنسانية عنها بل هذا التاريخ، فالانقسام الأوروبي بين الشرق والغرب في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتزايد السياسات القمعية في المعسكر الشرقي قابلها انتقادات صارخة من المعسكر الغربي، وتأثر الملايين بالكبت الشرقي وانخدعوا بـ”الحنية” الغربية، فنزح نحو 2.7 مليون شخص من ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية في الفترة من 1949 وحتى 1961 إلى أن فكر المعسكر الشرقي في وضع قيود حدودية لمنع نزوح المواطنين، من بينها حقول ألغام، وأسوار كهربائية، وقوات عسكرية، وكان جدار برلين أحد هذه القيود، وتم بناؤه في 13 أغسطس 1961، ليقسم العاصمة الألمانية ـ برلين ـ إلى شطرين، وجرى تحصينه على مدار الزمن.
صار جدار برلين رمزا تاريخيا للحرب الباردة بين الشرق والغرب، فالمعسكر الشرقي يمنع الهجرة، بينما المعسكر الغربي يرحب بهجرة مواطني الجانب الشرقي، ويعبر عن استعداده لاستقبال اللاجئين، لدرجة أن مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك، وصفت عملية الهجرة بأنها “رحلة إلى الحرية” وأن منعها هو “همجية”، وانتهجت أوروبا الغربية سياسة الدفاع عن حرية الحركة، وكانت مواقفها إيجابية تجاه كل لاجئ من المعسكر الشرقي قاصدا وجهة غريبة.
بقي أن جدار برلين شطر ألمانيا نصفين هما: ألمانيا الاشتراكية (الشرقية) وألمانيا الغربية، وألقى التقسيم بظلاله على الدولتين وعلى المواطنين الألمان الذين تأثروا بالحركة التجارية والاقتصادية وحرية التنقل، تسبب في تنوع طبقي وفئوي بين السكان في شطري ألمانيا؛ لكن الضغوط الغربية أجبرت رئيس الحزب الشيوعي في الجانب الشرقي من ألمانيا على تحسين علاقاته مع الغرب، حتى أعلن الرئيس أنه يمكن للألمان التنقل بحرية بين جانبي السور، وتم توحيد ألمانيا، وهدم الجدار فعليا في 13 يونيو 1990.
هوة سحيقة بين منطق أوروبا أثناء الحرب الباردة وبين منطقها في الوقت الراهن، ففي الوقت الذي تعاني فيه بعض البلدان العربية والإسلامية من سوء الأحوال السياسية والاقتصادية والأمنية، وتدهور الأحوال المعيشية، باتت الهجرة إلى أوروبا مقصدا يسعى بعض النازحين إليها؛ لكن الواقع يعكس انهيار المبدأ الأوروبي كما انهار جدار برلين، فالسياسات الفردية والجماعية لأوروبا تمنع الهجرة إليها وتضع العراقيل والقيود أمام الفارين من مناطق النزاعات المسلحة.
وعادت ثقافة الجدار مرة أخرى إلى أوروبا، فبنت المجر حاجزا مزدوجا بطول حدودها مع صربيا، لمسافة 155 كيلومترا، وحاجزًا آخر بطول حدودها مع كرواتيا لمسافة 300 كيلومتر، وأقامت بلغاريا حاجزًا لمسافة 260 كيلومترا، بطول حدودها مع تركيا، والنمسا بنت حاجزا بطول حدودها مع سلوفينيا، وسلوفينيا بدورها بنت حاجزا على حدودها مع كرواتيا، بخلاف الأسوار البحرية في الدول المطلة على البحر المتوسط لمنع العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي من شمال إفريقيا عن طريق القوارب خصوصا إيطاليا، واليونان، وأسبانيا.
اليمين الأوروبي المتطرف لعب دورا في الدعاية السلبية ضد الهجرة وطالب بوقفها، واعتبرتها دول أوروبا مشكلة أمن استراتيجي، وأنها أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية، مع دعاوى رفض توطين المهاجرين واللاجئين، وقالت تقارير إعلامية أوروبية إن المهاجرين الآن يجب التصدي لهم، لأنهم أكثر تنوعا، من الناحية العرقية، وفي المعتقدات الدينية، وفي الأعمار السنية، وفي القدرات والكفاءات، وحتى المناطق كسوريا والعراق وأفغانستان وغيرهم.
وإنصافًا للحق، فإن ألمانيا تأتي في المرتبة الثاني بعد تركيا في حماستها لاستقبال اللاجئين والمهاجرين، فيعيش بها نحو 1.1 مليون لاجئ، بينما استقبلت تركيا وحدها نحو 3.3 مليون سوري بخلاف أعداد اللاجئين والمهاجرين الآخرين، واستقبلت بريطانيا 126 ألف لاجئ فقط، وغابت غالبية دول أوروبا عن استقبال النازحين واللاجئين والمهاجرين، ومنعت قوانين الاتحاد الأوروبي استقبال أكثر 720 ألف لاجئ، في الوقت الذي تستقبل فيه دول مثل أستراليا وكندا المهاجرين واللاجئين.
الدواعي الإنسانية التي نادت بها أوروبا أثناء إنشاء جدار برلين، أهالت عليها التراب عندما تغيرت شرائح وأعراق المهاجرين والنازحين واللاجئين، وبات الرفض حائط صد صلب لهم، ليبقى التساؤل: ألهذا السبب انهار جدار برلين؟!!

أيمن حسين

إلى الأعلى