الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الهجرة النبوية الشريفة .. الطريق إلى الله
الهجرة النبوية الشريفة .. الطريق إلى الله

الهجرة النبوية الشريفة .. الطريق إلى الله

ناصر العزري : تذكير المسلمين بالهجرة وإيقاظهم من سبات غفلتهم هو الخير الأكيد من التنابز بينهم

ـ من الأمور المحمودة مراجعة الأشياء وإن تقادم العهد فيها وتصحيح الأخطاء بدلا من الاستمرار عليها

ـ نحن بحاجة إلى حكيم يأخذ بأيدينا .. فكثير من الناس وإن أوتوا العلم نقصت عندهم الحكمة التي تقيهم شر الأمور

ـ الإسلام يدعو أصحابه دائما إلى أخذ الحكمة في جميع الأمور وعدم التعجل في الأحكام

ـ هل من الحكمة أن يسعى المسلم إلى تمزيق صف المسلمين بمجازفات خطيرة وهو يتعالى على مقام العلماء؟
التقى به ـ علي بن صالح السليمي:

يقول فضيلة الشيخ ناصر بن يوسف العزري مدير دائرة الفتوى بمكتب سماحة المفتي العام للسلطنة بوزارة الاوقاف والشؤون الدينية عن هذه المناسبة الغالية وهي بداية العام الهجري الجديد: إن الله عز وجل فتح للناس آفاقا عدة ليراجعوا فيها أنفسهم فانتقالهم من زمن ودخولهم في آخر كفيل بأن يبصرهم بما يدور من حولهم والعاقل البصير من جعل من عامه المنصرم تصحيحا لأخطاء واستدراكا لما فات نفعه.
مضيفاً فضيلته بأن الحركة الدائمة في هذا الكون تشعر الإنسان بضرورة مراجعة الأشياء واستذكار الماضي، وقد درج كثير من الناس أن يراجعوا أنفسهم في انقضاء عام ودخول عام جديد والحق أن المسلم مطالب أن يراجع نفسه في كل وقت وحين فهو لا يملك عمره الذي يعيشه فهل يسعفه الزمن من مراجعة نفسه أم لا؟، ومع ذلك فإن من الأمور المحمودة مراجعة الأشياء وإن تقادم العهد فيها وتصحيح الأخطاء بدلا من الاستمرار عليها وصدق الله العظيم حينما ذكر عبادة بضرورة التوبة والعودة الصادقة إليه فقال عز وجل: “إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا” وصدق رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) حينما قال: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.
وقال: ان المسلم في أثناء تذكره للأحداث الجارية تعود به الذكريات وهو يستقبل عاما هجريا جديدا إلى تذكر هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تلك الهجرة التي فتحت للمسلمين آفاقا عدة ونقلتهم إلى أبعاد كبيرة.
موضحاً بأن تذكير المسلمين بهذه الهجرة وإيقاظهم من سبات غفلتهم بضرورة مراجعة أنفسهم والعودة إلى بحبوحة دينهم هو الخير الأكيد من التنابز بينهم في شأن الاحتفال من عدمه والوسيلة المستخدمة هي التي تحدد حرمة الشيء فما دام الأمر لا يعدو أن يكون تذكرا وتذكيرا بالأحداث العظام التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابها خيرا من تناسيها وطي صفحات مجدها فإننا بحاجة ماسة إلى من يذكرنا دائما بأمور ديننا.
مؤكداً بأن هذا الأمر غفلة الإنسان الكبيرة وتناسيه لربه وهو يخوض خضم هذه الحياة فتبعده شيئا فشيئا عن الذكر وعن الصلاة وعن سمو حضارته ورفعت دينه فهو أحوج ما يكون في هذه الأيام إلى من يأخذ بيده ويرشده إلى ميدان الحق الذي اختلطت فيه الأمور واتسع فيها الخرق.
وقال فضيلته: ولا ريب أن الحياة مع تقدم الزمان يختلف الحكم فيها عن الحياة الماضية التي عاشها الأجداد ولهذا كان أهل العلم دائما ما يقولون في مسألة اختلف تصوير الناس فيها: “الحكم على الشئ فرع تصوره” فلا يسارعون إلى الحكم فيها ما لم تتضح معالمها وتظهر الصورة الصحيحة فيها مع مراعاة حياة الناس الواقعة، والحق أننا في هذه الأيام بحاجة ماسة إلى حكيم يأخذ بأيدينا فإن كثيرا من الناس وإن أتوا العلم نقصت عندهم الحكمة التي تقيهم شر الأمور.
مشيراً الى ان الإسلام يدعو أصحابه دائما إلى أخذ الحكمة في جميع الأمور وعدم التعجل في الأحكام فهذا القرآن الكريم ذكر جوانب عدة للحكمة إما تصريحا أو تلويحا بها فالله تعالى يقول مصرحا بأهمية الحكمة “يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ”، وقال في شأن لقمان عليه السلام: “وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ” وقال في شأن نبيه داود عليه السلام: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ”، ولهذا أمر الله عز وجل نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم) أن يأخذ في مختلف جوانب الحياة بهذه الحكمة وكان دائم التذكير له فقال عز وجل مذكرا نبيه بضرورة الحكمة في التعامل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، ومن هنا جعل الله عز وجل طيش الناس وخروجهم عن دينهم وتعاليهم على بعضهم مخالفا لهذه الحكمة ومؤذنا بفساد الأرض فقال عز وجل:(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا، وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا، وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا).
موضحاً بأنه ولهذا نجد اختلاف نظرة الإنسان إلى الأمور الواقعة ومجريات الأحداث وقلما نجد من ينظر إليها بنظرة صحيحة بعيدة عن التعسف والتطاول ويعكس ما فيها في واقع حياته إلا من ألهمه الله البصيرة في العلم، والرشد في الفهم، والحكمة في الأمور والأشد من هذا أن يأتي من ينظر إلى هذه الأمور من وجهته الشخصية ويلزم الناس بها ويطرح الفكرة على هذا النحو من البحث والاستنتاج ويرى الحق الحقيق الذي يجب أن يسير عليه الناس، والأنكى من هذا وذاك من يقتحم التخصصات فيحاكم الآخرين في تخصصاتهم ومن هنا قال أهل الحكمة: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
وقال: وأعجب العجائب من يأتي بعد هؤلاء ليرفع من أس هذا العمل ويحمل كاتبه فوق الرؤوس ولو كان ما فيه من الوهن والوهى فهو على لغة: “وافق شن طبقة” أو على لغة: “بال حمارٌ فاستبال أحمرة” أو على قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليـه زرافات ووحدانا
ولا أدري لماذا يشغل العامة بمثل هذه الترهات والحق أن أمثال هؤلاء تعلقوا بالعلم القليل وغرهم الأمل إلى الوصول إلى أكثره فقعدت بهم الهمة ولم يجدوا في التنفيس عما في داخلهم إلا عبارة “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” وهؤلاء بمثل هذا المنطق الغريب قد حكم عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل فقال (صلى الله عليه وسلم): “سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”.
وقال فضيلته هنا متسائلاً ومتعجباً: فهل من الحكمة أن يسعى المسلم إلى تمزيق صف المسلمين بأمثال هذه المجازفات الخطيرة وهو يتعالى على مقام العلماء الذين بوأهم الله المكانة العالية في كتابه العزيز وجعلهم من أقرب الناس خشية له؟ فقال عز وجل: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ”، ولا زلت أعجب وأنا أقرأ في سجل الأيام هذه الفئة من الناس وسعيها الدؤوب إلى قطع الناس عن علمائها واستدرار عواطفهم ودغدغتها بترهات عجيبة .. فما الفائدة من هذا كله؟ وهل تعاطي الأمور يكون بأمثال تلك المجازفات وخرق الدين ألا يكفي ما نحن عليه من هذه القطيعة الكبيرة بين المسلمين وبين دينهم أنزيد الأمر قطعا وننحر أنفسنا بأيدينا؟ ومتى يستفيق هؤلاء من هذه الغفلة والمكابرة ويعودوا إلى تصحيح أخطائهم فيهجروا القطيعة ويحسنوا العمل حتى تكون هجرتهم إلى الله عز وجل ورسوله هجرة صحيحة؟.

إلى الأعلى