الأربعاء 13 نوفمبر 2019 م - ١٦ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / تعرف على جرائم الاتجار بالبشر (الجزء الثامن)

تعرف على جرائم الاتجار بالبشر (الجزء الثامن)

(الوطن) بالتعاون مع الادعاء العام
هكذا، وللأسبوع الثامن على التوالي، نتشرَّفُ ببسطِ هذه المادة على جمهور العامة، من خلال هذه الزاوية القانونية التوعوية، وكُلنا أملٌ أن يتحقَّق ـ من خلالها، ومن غيرها من الجهود المبذولة، غير المنكورة ـ مُبتغانا، المتمثل في تنوير العامة بالأبجديات المكوّنة والحاكمة لهذا النوع من سلوكيات بني البشر اللاإنسانية، فيكونُ رجلُ الشارع بذلك، هو الذراع المجتمعيّ الحائِل دون وقوعِه، من ناحية، والمساند لسُلطاتِ الضّبطِ القضائيّ في القمعِ والملاحقة، من ناحيةٍ أُخرى.
فمعلومٌ أن ثمةَ طُرُقٍ عَديدةٍ لنقلِ المعلومة، أيَّ معلومةٍ كانت، إلى جمهورِ المخاطَبين، وفي هذا الشأن المُتَّصل ببيان ماهيةِ الاتجار بالبشر، فلقد اعتمدنا طريق الاستدلال بالأمثلة التي رصدها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، على وجه العموم، وتلك التي رصدتها أقلامنا المحلية، على وجهِ الخصوص تمكينًا لغير المتخصِّص من جمهور العامة، لاستيعاب ما نعرضه عليه من مضمونٍ، يحمل في طيَّاته قدرًا وافرًا من الضبابية والتداخل بينه وبين بعض الأنواع التقليدية من الجرائم، إلى درجة ذوبات الحدود الفاصلة بينهما. فبعد أن استعرضنا، في الجزء (السادس والسابع)، من هذا الموضوع، طائفةً من القضايا التي بسطناها على القضاء، نواصل، بعونِ الله تعالى، في الجزء الماثل النهج ذاته.
ـ القضية رقم (6):
تتحصل واقعات القضية في أنه بتاريخ 7 أبريل 2019م، تمكَّنت المجني عليها (س) ـ المنتمية بجنسيتها إلى إحدى دول الشرق الأقصى ـ تمكنت بالحيلة من الهرب من الشقة التي كانت مُحتجزة فيها، في أحد الأحياء المكتظة بالسُّكان في محافظةِ مسقط، ولجأت إلى سفارةِ بلدِها، مُستغيثة، لتعرُّضها للاستغلال الجنسيّ، فما كان من مندوبِ السفارة إلّا أن آزرها أمام مركز الشرطة المختص مكانيًا، لتقديم بلاغ رسميّ عمّا تعرَّضت له المجني عليها من عُدوان.
هذا، وبسؤال المجني عليها أفادت بأنها، وبينما كانت في موطِنها، تعرَّفت على المتهمة ـ المشتركة معها في الجنسيةـ- عن طريق إحدى زميلاتها في العمل، التي أبلغتها أن المتهمة لديها فُرص عمل واعدة في السلطنة، وأن الراتب سيكون في حدود ألف ريال في الشهر، وبعد أن سألتها عن طبيعة العمل، علمت منها، أي من زميلتها، بأن العمل سيكون في مجال المساج الطبي، وأنها شجَّعتها للاستفادة من الفرصةِ المتاحة، بعد أن أفهمتها بأنها سبق لها العمل في السَّلطنة، وأنها كسبت مبالغ كبيرة من العمل فيها.كما أبلغتها بأن المتهمة لديها صفحة على الفيسبوك، وأنها تستقبل الطلبات من خلالها.
أردفت المجني عليها في إفادتها قائلة، بأنها تواصلت مع المتهمة فعلاً عبر الفيسبوك، وتأكّدت من صحة ما وصل إليها من زميلتِها، من حيث طبيعة العمل، وكذا الراتب المغري الذي ستتقاضاه، وأن المتهمة أكَّدت لها، من خلال دردشتها معها، بأنها ستتحمل تذكرة سفرها، وكل ما يتصل بها من نفقاتٍ، إلى حين وصولِها مسقط، وما عليها، لأجل الإستفادة من الفُرصة، إلا أن تسجّل بياناتها، وتبعث لها نسخة من جواز سفرها، لمباشرة الإجراءات اللازمة.
وبعد مضي أسبوع من المحادثة، تواصلت معها المتهمة عبر الهاتف، وأخبرتها بأن موعد سفرها سيكون بتاريخ 2 أبريل 2019م، وأن هناك من سيسلمها تذكرة السفر في المطار. وفي الموعد المحدد، وحسب التوضيح الذي تلقته عبر الهاتف، قابلتها امرأة في مطار بلدها، وسلمتها تذكرة السَّفر ومبلغًا من المال، وأوعزت إليها بأن تسلم ذلك المبلغ إلى الشخص الذي سيكون في استقبالها.
* ملاحظة: رغم أنني لم أجد في التحقيقات ما يشير إلى الغرض من تسليم ذلك المبلغ إلى المجني عليها. نؤكّد هاهنا بأننا، وأثناء التحقيق في عددٍ لا بأس به من القضايا المشابهة، تأكَّد لنا أن تلك المبالغ تسلم للضحايا لأجل إبرازها لضابط الجوازات والإقامة في مطار مسقط، عند السؤال عن الملاءة المالية، قبل أن يدمغ للسائح تأشيرة سياحية.
وفي مطار مسقط الدولي، تقول المجني عليها بأنها وجدت شخصًا عُمانيًا في استقبالها، وهو المتهم (م.ج)، الذي بدوره استلم منها جواز سفرها، وتفاجأت بأنه يجيد لغتها، حيث عرّفها بنفسه بلغتها، وقال لها أنه من طرف تلك التي جنَّدتها، ولأجل طمأنتها، تواصل معها هاتفيًا من فورِه، ومكّنها من التحدث إليها. المتهمة بدورها أكَّدت للضحية، عبر ذلك الإتصال، أن الشخص من أتباعها، وأنه هو من سيهتم بها طوال فترة وجودها في مسقط، وأن عليها أن تُسلِّمه المبلغ، الذي سُلِّم لها في مطار بلدها، ففعلت ذلك. تقول أيضًا بأن المتهم كان معه في السيارة شخصان آخران، وأن ظاهر الحال يشير إلى أنهما على علم بالسبب من مجيئها، حيث أنهم جميعًا أوصلوها إلى السكن، الذي وصفته بأنه عبارة عن شقة في عمارة، وأن أحد الأشخاص الثلاثة أرشدها إلى غرفتها. تقول أيضًا بأنها وجدت في الشقة مجموعة من الفتيات من نفس جنسيَّتها، وبعضهن يشاركنها الغرفة.
في اليوم التالي، مر عليها المتهم (م.ج)، لاصطحابها إلى العمل، فنزلت معه، وبرفقتهما فتاتان، من سكان الشقة نفسها، واتضح لها بأن المساج الطبي، الذي من المفترض أن تقدّمه للزبائن، ليس له مكانٌ مُحدَّد، كعيادة طبية مثلاً، وإنما عليها أن تنتقل إلى حيث يرغب الزبون.
محاولات الاعتراض، أو حتى التفاهم مع المتهم، باءت بالفشل، فوجدت نفسها مضطرةً إلى أن ترافق أحد الزبائن الذي تفاهم مع إحدى الفتاتين التي معها، واتضح لها لاحقًا أنها من أفراد العصابة، ولم تفهم الحوار الذي دار بينهما، كونه باللغة العربية، ولاحظت الزبون يدفع لتلك الفتاة (المتهمة) مبلغًا من المال، وأمرتها المتهمة بالركوب معه، ففعلت. وفي الشقة، أخذ الزبون يتناول خمرًا، إلا أنها رفضت تناولها، وبعد فترة، طلب منها مساجًا، ففعلت، ثم تفاجأت به يستخرج واقيًا ذكريًا من طياتِ ملابسه، وكأنه يتهيأ لممارسة الجنس، فهربت إلى دورة المياه، وتواصلت هاتفيًا بزوجها، حيث طلبت منه أن يتواصل مع المتهمة التي جندتها في موطنها، وأن يبلغها بأنها لا ترغب في العمل، وإنما ترغب في العودة فورًا، بعد أن اتضح لها بأن العمل الذي أُحضرت لأجله هو الدعارة وليس المساج الطبي، كما أوهمت. تواصل الزوج مع المتهمة، فقالت له أن عليها أن تسدِّدَ المبالغ التي أنفقتها عليها، والمقدرة بألف و(500) ريال عماني، قبل أن يُسمح لها بالعودة، فنصحها زوجها باللجوءِ إلى السفارة أو إلى مركز الشرطة. وحيث لم يكن بوسعها الفكاك من الزبون الذي كانت معه في شقته، اضطرَّت إلى تسليمه نفسها، فوطأها جنسيًا رغمًا عنها.
كان المتهم بانتظارها بسيارته الأجرة، فأعادها إلى الشقة. وفي الشقة، طلبت من المتهمة، القائمة على إدارة الفتيات، السَّماح لها بالنزول إلى السوبر ماركت، لبضع دقائق، لأجل شراءِ حاجةٍ مُلحة لها، وعندما سمحت لها بذلك، لجأت إلى السفارة.
أكَّدت إجراءات جمع الاستدلالات الدقيقة، التي باشرتها الشرطة في القضية، وكذا التحقيقات الابتدائية، أن المتهم (م.ج) ضالع، دون أدنى شك، في الاستغلال الجنسي لفتيات آسيويات، يُحضرن إلى مسقط، بالتنسيق والاتفاق بينه والمتهمة التي تعمل على تجنيدهن بالحيلة في موطنهن، وأن هناك قدراً كافياً من الأدلّة، التي تقطع بالدليل الجازم على ضلوعه في جرم محل النظر.
من تلك الأدلة، ما أكدته التحقيقات أن عقد إيجار الشقة باسم المتهم الأول، وكذا خط الانترنت، وأنه هو من يُسدّد كل فواتير الكهرباء والمياه، ناهيك عن اعترافه بأنه متعاون مع المتهمتين في تشغيل الفتيات في الدعارة، وأنه يعمل على تحويل المبالغ عبر محل الصرافة إلى المتهمة في الخارج، وأن زميليه اللذين كانا معه في السيارة عند استقبال المجني عليها، يعلمان علمًا يقينيًا بتعرض الفتيات للاستغلال، وأنهما اعترفا بذلك أيضًا، وأكدا أن الفتيات يلقبن المتهمة الأولى (ماما)، ويلقبن (م.ج) باسم بابا.
عدا عن ذلك، ذخرت القضية بقدرٍ كبيرٍ من الأدلةِ وكذا القرائن، والتي في مجملها، تقطع بالدليل الجازم على أن المتهمين الأول والثانية اتجرا بالمجني عليها، عبر الحدود الوطنية، بغرض الاستغلال الجنسي، وذلك بأن أجريا الترتيبات اللازمة لنقلها من موطنها، بعد أن أوهماها أنها ستعمل في مجال التدليك الطبي، وآوياها في شقة في محافظة مسقط، وأجبراها على العمل في الدعارة، مستغلين بذلك قلة حيلتها، واستضعافها، وفق الثابت في التحقيقات.
كما تكون المتهمة الثالثة أيضًا قد اتجرت بالمجني عليها، وذلك بأن عملت على تسهيل عملها في الدعارة، من خلال قيامها بدور الوساطة بينها والزبائن، أما المتهمان الرابع والخامس، فلقد وجهت لهما تهمة العلم بوقوع تهمة الاتجار بالبشر، دون أن يبلغا السلطات بذلك، وفق مقتضيات القانون. كما وجهت للمتهمين الأول والثاني تهمة غسل الأموال، بالمخالفة للمادة (88/أ)، بدلالة المادة (6/أ/ج) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبتاريخ 16 أكتوبر 2019م، قررت المحكمة إدانة المتهمين جميعًا، بما هو منسوبٌ إليهم من اتهام، وقضت بمعاقبة الأول والثالثة بالسَّجن لمدة ثلاث سنوات، بعد أن غيَّرت مادة الاتهام إلى المادة (8) بدلاً من المادة (9/ج) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر، وتغريمهما خمسة آلاف ريال عُماني، كما قضت بإدانة المتهمة الثانية غيابيًا، وسجنها لمدة خمس سنوات، وغرامة عشرة آلاف ريال، أما المتهمان الرابع والخامس، فقضت بسجنهما لمدة ستة أشهر، والغرامة ثلاثمائة ريال، وبطرد المتهمة الثالثة من البلاد بعد انقضاء العقوبة، وبراءة الأول والثاني من تهمة غسل الأموال.
وبهذا، تسجل هذه القضية السابقة الأولى التي تقرر فيها المحكمة إدانة من علم بوقوع الجريمة، دون الالتزام بإبلاغ السُّلطات.

مُساعد المدعي العام/ ناصر بن عبدالله الريامي

إلى الأعلى