الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التَّفريط العربي في القدس!

التَّفريط العربي في القدس!

جواد البشيتي

إنَّها “مُسلَّمة” أنْ أقول، وأنْ يقول معي كثيرون من القانطين من السياسة العربية، إنَّ “المسجد الأقصى” ليس بذي أهمية تُذْكَر لدى العرب، دولًا وقِمَمًا؛ ولعلَّ خير دليل على ذلك هو أنَّ الزعماء العرب لم يجتمعوا، ولو مرَّة واحدة، ليقرِّروا “الأحمر” في موقفهم من قضيته، التي يُظْهِرونها، في شعائرهم وطقوسهم السياسية ـ الدينية على أنَّها قُدْس أقداس السياسة الرسمية العربية؛ أمَّا في العالم الواقعي والحقيقي للسياسة التي ينتهجون ويمارِسون فقد أتوا إلينا بكل دليل مُقْنِع ومُفْحِم على أنَّ السلام مع إسرائيل ممكن وضروري وحتمي ولو ظلَّ المسجد الأقصى، والحرم القدسي كله، إلى الأبد على ما هما عليه الآن، وكأنَّ بقاء “الأقصى” خاضعًا لاحتلال إسرائيلي أبدي، لا يقف، ويجب ألاَّ يقف، عقبة في طريق السلام (وتطبيع العلاقة بأوجهها كافة) مع “الدولة التلمودية”!
حتى “الشيوخ”، الذين يستسهلون الإفتاء في كل شيء، ويتوفَّرون على إنتاج وتسويق الفتاوى في أمور أهمها من قبيل “الرِجْل التي ينبغي لنا شرعًا أن نَدْخُل فيها الحمَّام”، فضَّلوا أنْ يغيبوا غياب “البدر” في الليلة الظلماء، فَلَم يكلِّفوا أنفسهم عناء الاجتهاد الديني في أمر “الأقصى”، فيُبَيِّنوا للعامة من المسلمين “حُكْم الشرع” في سلام مع إسرائيل يقوم على بقاء المسجد الأقصى على ما هو عليه.
أحد كبار الزعماء الدينيين اليهود مِمَّن كانت لهم مساهمة كبيرة في عقد اجتماعات ومؤتمرات “التطبيع الديني” مع شيوخ كبار، دعا إلى “حوار ديني جاد”، بدعوى أنَّ لدى “التوراتيين” من الحُجَج (المُقْنِعَة والمُفْحِمَة) ما يسمح لهم بتقليل وزن المسجد الأقصى (وفلسطين كلها) في “الميزان الديني” لدى المسلمين!
إنَّنا لا ندعو الدول العربية، أو بعضها، إلى “تحرير” المسجد الأقصى، فلا يكلِّف الله نفسًا إلاَّ وسعها؛ كما أنَّ “الدعوة” هي في حدِّ ذاتها مساهمة في بث ونشر مزيدٍ من الأوهام؛ ما ندعو إليه فحسب هو أن “يُجامِل” السلام (العربي) مع إسرائيل ولو قليلًا المشاعِر الدينية الإسلامية والمسيحية لشعوبنا ومجتمعاتنا، فجعل “السلام”، في معاهداته واتفاقياته، مشروطًا، على الأقل، بحلٍّ انتقالي (مؤقَّت) دولي لمشكلة الحرم القدسي والأماكن المسيحية ككنيسة القيامة، يقوم على إنهاء كل مظهر من مظاهر السيادة (والاحتلال) الإسرائيلية، هو ما كان يجب أن يُفكَّر ويُعْمَل فيه عربيًّا، أي لدى المؤمنين من العرب بالسلام مع إسرائيل خيارًا استراتيجيًّا لهم.
وكان لا بدَّ لذلك من أن يشغل حيِّزًا من نصِّ “مبادرة السلام العربية”، التي كلَّما تقادم عهدها تأكَّد أنَّ حِمْلَها، على ضآلته، ناء وينوء حامله، فالمسجد الأقصى، ولجهة ضرورة انتزاعه من براثن السيادة الإسرائيلية، لَمْ يؤتَ على ذِكْرِه في تلك “المبادرة”!
وربَّما لا يتأخَّر كثيرًا مجيء يومٍ تُعامِل فيه الدول العربية، التي أعْجَزَها كثيرًا “تحدِّي الأقصى”، المسجد الأقصى على أنَّه “شيء فلسطيني صرف”، يعود إلى “المفاوِض الفلسطيني”، المُثْخَن بجراح “مفاوضات السلام”، بتَّ أمره، لِيُعْلِن العرب بعد ذلك (كما أعلنوا من قبل) أنَّ أهل مكة أدرى بشعابها، وأنَّهم على عهدهم باقون، يقبلون ما يقبله الفلسطينيون، ولن يكونوا أبدًا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؛ فهذا “الخطاب العربي”، الذي يقطر “أُخُوَّةً” من رأسه حتى أخمص قدمه، هو خير مساعدة تُسْدى إلى “المفاوِض الإسرائيلي” في إحكام حصاره على “المفاوِض الفلسطيني”.
ويبقى “خوف عظيم”، هو الخوف من اتفاقيات سلام، تُحْفَظ فيها وتُصان، الحقوق الدينية الإسلامية في المسجد الأقصى؛ لكن في مقابل التفريط في كثيرٍ من “الحقوق الدنيوية”، أي “القومية”، للشعب الفلسطيني، كأنْ يُدْفَن “حق العودة” في “مقبرة إسرائيلية”، وتُضمُّ إلى إسرائيل الأجزاء التي تريد من “القدس الشرقية” والضفة الغربية، في مقابل أن نَشْعُر ونحن نصلِّي في المسجد الأقصى أن القدسية الإسلامية لهذا المكان أصبحت في الحفظ والصون!
“خطاب النصر” هذا يجب ألاَّ يقع على أسماعٍ شعبية (فلسطينية وعربية) تشبه أسماع مُلْقييه، الذين سيُفْرِطون في “التزيين الديني” للتفريط في تلك “الحقوق الدنيوية”، قائلين لنا: لقد ضَحَّيْنا بالغالي والنفيس (من تلك الحقوق) في سبيل إنقاذ الأقصى!
“القدس الشرقية”، وفي القَلْب منها يَقَع “الحرَم القدسي”، الذي يَضُم المسجد الأقصى، وقُبَّة الصخرة، والفناء الواسع بين المسجد والقُبَّة، هي جزء من أرضٍ فلسطينية، احتلتها إسرائيل من الأردن، في حرب 1967؛ ثمَّ وسَّعَت حدود “القدس الشرقية” بضَمِّها مناطق مجاوِرة لها إليها؛ ثمَّ وَحَّدَت القدس الشرقية والقدس الغربية، التي كانت جزءًا من إقليم دولتها قبل الحرب، مُعْلِنَةً “القدس الكبرى الموحَّدة” عاصمة أبديةً لها؛ وهذا عَنَى ضِمْنًا بسط السيادة الإسرائيلية حتى على المسجد الأقصى؛ وإسرائيل لم تُعْلِن قَطْ ما يمكن أنْ يُفْهَم منه أنَّ “الأقصى” مستثنى من سيادتها هذه.
حتى في اتفاقية وادي عربة، التي أسَّست للسلام بين الأردن وإسرائيل، لم نَرَ ما يمكن أنْ يُفْهَم منه أنَّ الأردن قد اقْتَطَع “المسجد الأقصى” من القدس الشرقية المشمولة بالسيادة الإسرائيلية؛ ولَمَّا صَوَّر السلام مع إسرائيل على أنَّه نُتاج تفاوض، أساسه مبدأ “الأرض في مقابل السلام”، لم يَقُلْ قَطْ إنَّ “الأقصى” جزء من تلك الأرض التي استعادها، أو كان يعتزم استعادتها؛ فكل ما حَصَلَ عليه لم يتعدَّ قبول إسرائيل إشراف الأردن على المسجد الأقصى؛ وهذا الإشراف (الإداري الشكل والمحتوى) لا يتناقَض مع استمرار السيادة الإسرائيلية (والتي هي في أصلها “احتلال”) على “الأقصى”، بصفة كونه جزءًا من “القدس الشرقية”، بصفة كونها جزءًا من “القدس الكبرى الموحَّدة، والعاصمة الأبدية لإسرائيل”.
السيادة على القدس الشرقية لِمَن؟
إنَّها ليست (أو ما عادت) لله؛ وإنَّها ليست لإسرائيل، ولا للأردن؛ إنَّها، وُفْق اتفاقية بين الأردن والسلطة الفلسطينية، لـ”الدولة الفلسطينية”؛ فهذه الدولة هي التي يحقُّ لها فحسب بسط سيادتها على كل القدس الشرقية، وعلى “الأرض المقام عليها المسجد الأقصى (الحرم القدسي الشريف)”، بصفة كونها جزءًا من إقليم هذه الدولة. وهذه السيادة تشمل حتى “حائط المبكى”، و”تحت” الحرم القدسي.
لإسرائيل التي ما زالت تحتل القدس الشرقية، مع الحرم القدسي، قالت تلك “الاتفاقية”: الملك الأردني هو، وحده، صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدَّسة في القدس، و”دولة فلسطين” هي، وحدها، صاحبة السيادة على القدس (الشرقية) والحرم القدسي.
قبل هذه “الاتفاقية”، اعترفت إسرائيل للأردن (في معاهدة وادي عربة) بحقِّه في رعاية (أي في الاستمرار في رعاية) الأماكن المقدَّسة (الإسلامية والمسيحية) في القدس؛ وقُبَيْلها، اعترفت القمة العربية في الدوحة بالدور الهاشمي التاريخي في القدس.
لكن كل ذلك يَفْقِد أهميته، أو كثيرًا منها، ما بقي الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية؛ وهذا إنَّما يشدِّد الحاجة إلى “اتفاقية” لحلٍّ نهائي ودائم لمشكلة القدس (الشرقية) مع حرمها القدسي.

إلى الأعلى