السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الفاعل والمفعول في تزييف العقول

الفاعل والمفعول في تزييف العقول

فوزي رمضان
صحفي مصري

الحمقى في الماضي كانوا يثرثرون عن جهل حول أي موضوع في مقهى دون أن تتجاوز ترهاتهم جدران هذا المقهى، غير أن سيطرة الحمقى على شبكة الإنترنت جعل للبلهاء موضعا، وللجهلاء منزلة، حتى باتت تلك الشبكة وسيطا لتداول الجهل لا المعرفة، نشر الكذب لا اليقين، بث التزوير لا الحقيقة، تغييب الوعي لا تمكينه. لقد تعملق الواقع الافتراضي على حد قول الروائي السويدي (امبرتو ايكو) إلى حيث لا ندري، هل نحن نستخدم مواقع التواصل الاجتماعي أم هي التي تستخدمنا؟! ونتساءل أيضا: أين موقعنا من المساحة بين الفاعل والمفعول؟!
باتت ترهات الحمقى هي الأكثر انتشارا وتأثيرا، تستقطب شريحة كبرى من فئات المجتمع، خصوصا الشباب باعتبارهم الأكثر تأثيرا في المجتمع، بات كل ما يقوم به الأفراد مرتبطا بالواقع الافتراضي، أصبحت كافة الأنشطة الشخصية والاجتماعية والترفيهية وكل النشاطات غثها وسمينها مادة خصبة تغذي حسابات الأشخاص على مواقع التواصل بمحتوى كتابيا كان أو مرئيا لترضية النفس أو الشعور بالرضا.
تكمن الخطورة في أن وسائل التواصل ـ الأكثر تطورا وانتشارا ـ تحمل تناقضات خطيرة؛ كونها تقف عائقا أمام الأفكار المركبة العميقة، حيث تقزمها وتحولها إلى شيء تافه، لا يخرج عن إطار سخرية أو تسفيه أو تسطيح. في واقع الأمر يستخدم مرتادو تلك المواقع كسلعة وأداة لنشر الأفكار المعلبة أو الأهداف الموجهة، وتصبح الجماهير نفسها وقودا للحشد والتنظيم والتجمهر، قد تستخدم تلك المواقع من جانب جماعات المصالح، أو من جانب السلطة السياسية، ضمن أدوات الهيمنة والسيطرة على الجموع، ليتطور الأمر وتصبح مواقع التواصل الاجتماعي سلطة في حد ذاتها، تفرض على مستخدميها نمطا معينا من الأفكار المصنعة أو السلع المستهلكة أو العقائد الراديكالية.
الموضوعات المطروحة عبر المواقع منفصلة بشكل حاد عن واقع مستخدميها وأولوياتهم، الذين دافعهم المشاركة من أجل التواصل والتفاعل مع الآخرين، بغية الشعور بالانتماء للجموع. فقد استغل الوسيط الافتراضي خلو الساحات العربية من الممارسة السياسية الفاعلة، لتكون مواقع التواصل هي الساحة والمنتدى والملعب، لممارسة الحقوق السياسية، التي يتخيلها المستخدم نوعا من الحرية، أو تفعيل صوته في تعديل وتغيير سياسات الدول. هذا دون أن يدري المستخدم أنه مجرد سلعة وأداة وجسر لعبور وتمرير شروط وأهداف الوسيط الافتراضي الذي قد يخفى عنه، ليزيد من اغترابه وجعل الحمقى مشاهير لضرب قواعد الطموح، وتقزيم قيمة الاجتهاد، وتحقير شرف العمل.
لقد لعب الوسيط الافتراضي الدور ذاته في تأليب الشعوب العربية على أنظمتها السياسية بغية انهيار مؤسسات الدول، تحت شعارات الحرية والديمقراطية، في الوقت الذي لم يذكر له قواعد البناء الاقتصادي وعوامل التنمية البشرية، وحق المواطن العربي في العيش الكريم، الناتج عن وضع أسس لقواعد وبرامج اقتصادية طموحة، وحقه في التعليم والعلاج والسكن، مجرد حرية من أجل الفوضى، وحقوق ديمقراطية من التطاول على الثوابت والتحلل من القيم، ساعد الشعوب على الهدم والتخريب وتخلى عنها في الإعمار في الوقت الذي يلعب فيه الوسيط الافتراضي الدور الخبيث في إثارة الفتن والنعرات الإثنية والعقائدية بهدف التفرقة والتشرذم والاقتتال والتنصل من الاجتهاد بإعلاء شأن الشراذم والفشلة وطرحهم كنماذج للرقي الاجتماعي السريع.
الوسيط الافتراضي الذي لا تعرفه يؤجج الواقع وينشر الإحباط، يعظم صور البؤس ويضخم السلبيات ويشعل الإحباط، يوقظ غضبات الانتقام والتشفي إلى حد التدمير والتخريب دون وصفة علاج ناجعة، أو توضيح مسلك بناء وممرات نهوض.. الوسيط الافتراضي يدفع المستخدم إلى الاحتقار المطلق للواقع، والنظر بغضب على كل ما هو ماضٍ وكل ما هو تاريخي، في معركة غير متكافئة لتزييف الوعي، وتزوير الحقائق وتلويث النماذج الناجحة، وهدم قامات المجتمع والتركيز الشديد على تشويه مراحل تاريخية بعينها بغية سلخ المستخدم عن ماضيه، وبث التمرد على حاضره، ونزع الأمل في مستقبله.
بات التحلي بالوعي الرشيد هو التحدي، أمسى ضرورة ملحة للتغلب على هزائم الواقع، بعد ما تم من تجريف الوعي لدى شرائح لا يستهان بها، بعد أن توقف لديهم الإدراك والتفكير وإعمال العقل، ما جعلهم صيدا ثمينا للوسيط الافتراضي ليقوم بدور الفاعل والمسيطر على تصرفاتهم.

إلى الأعلى