الجمعة 13 ديسمبر 2019 م - ١٦ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ثلاثيات رهيبة .. وتساؤلات مغيضة

ثلاثيات رهيبة .. وتساؤلات مغيضة

علي عقلة عرسان

ثلاثية رهيبة تنتصب أمام عيني منذ عقد من الزمن العربي الرديء، يتكاثف وجودها، وتمتد رقعتها، وتشتد وطأتها، ويستفحل خطرها، وتستعصي على الحل كلما مر الوقت وكثرت الأيدي المَساويط، وتفتح الوطن العربي أمام أعدائه قطرا بعد قطر ليعتدوا ويعربدوا ويسوّقوا السلاح وينهبوا المال والثروات ويستثمروا في الفتنة بين أبنائه وبينهم وبين جيرانهم المسلمين.. تلك الثلاثية الرهيبة تتلخص بـ: “الفتك والقتل والاقتتال والاستعداء”، “الدمار والفساد والإفساد والانهيار”، “التشرد ومخيمات الذل والقهر وفقدان الثقة”. وفي كل هذا ينعدم تأثير العقل وتدبيره، ويضْمُر الضمير أو يموت، ويتراجع القومي والوطني والأخلاقي الديني والإنساني والمستقبلي. ويضاعف تلك الزلزلة والشعور بخطر هذه المأساة وقسوتها، الاستمرارُ في وضع الحطب تحت نار الحروب التي تحرق الأمة، وارتفاعُ مراتب مرتكبي الجرائم السياسية وغير السياسية والمسؤولين عن الأداء “المميز” في هذه المجالات، ارتفاع مراتبهم درجات ودرجات بنظر دول وأحزاب ومرجعيات وخلق لا يملكون إلا أن يهطعوا للظالمين والمجرمين والفاسدين.
* دخلاء وجهلاء ومتطرفون، ومنظمات قتل وإجرام معروفة موصوفة، توظف مرتزقة وتعمل بإمرة أجهزة وجيوش عسكرية، ويستأجرها طالبو الحماية أو الفتك المنظم مثل “بلاك ووتر = أكاديمي” و”فاجنر”، وتجارُ دماء وسلاح وأجساد وأرواح، وعشاقُ نفط وغاز وأموال وثروات وغيرهم من عملاء وأدوات.. يثابرون على إشعال نار الحرب في بلداننا كلما خبَت..
** ومسؤولون في دول عربية يفقرون شعوبهم ويقهرونها، ويقتلون أبناءها وأحرارها ويشردونهم ويلاحقونهم إن هم طالبوا بالحد الأدنى من شروط العيش وبالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة.. ويوظفون أموال البلاد وثرواتها لإثارة حروب أهلية بين أبناء دول عربية أخرى، ويمولون عدوان الأعداء على أقطار عربية، ويتحالفون مع الصهيوني العنصري القاتل المحتل القاتل، ومع الأجنبي الطماع النهاب المستعمر لإطالة زمن مآسي الأمة وتعميق أزماتها، وتدمير ما تبقى من عمرانها وعلاقات دولها وأبنائها بعضهم ببعض، وإضعافها معنويا وماديا، اجتماعيا وسياسيا وسياديا.
*** وفاسدون مفسدون في أقطار عربية، “مسؤولون ووكلاء لمسؤولين ومنتفعون بالولاء للطغاة والبغاة الفاسدين المفسدين”، يحلبون بلدانهم ويفقرون دولهم، ويضعون ما يختلسون من أموال الشعب في خدمة أعدائه وأعداء العروبة والإسلام، ويستدعون أولئك الأعداء عند اللزوم مأجورين مفخَّمين ليبقوهم فوق رقاب الناس طغاة وقتلة ومستبدين آمرين ولصوصا محترفين.. وتتكاثر تلك النماذج المتهافتة وتتآزر، وتفرخ في وطننا العربي وتكبر.. والشعب في محنة إن هو سكت مات وأمات، وإن هو نهض وتحرك ليغير واجهوه بالرعب والرصاص والموت.
النار تشتعل في أقطار بعد أقطار منذ سنوات:
في ليبيا حربٌ أهلية عبثية قتلت الشباب، ودمرت البلد، وبدّدت المال والثروة، وأفقرت الشعب الكريم، وفرقت القبائل، وجعلت شرقا ضد غرب، وإخوة ضد إخوة، وشردت الكثير من أبناء البلد العزيز.. ليبيا في حرب تثيرها أو تديرها أو تغذيها دول عربية وأخرى أجنبية، حربٌ تجبي الأموال والأرواح، وتؤسس للعداء بين الأخوة، وتضاعف الشّقاق والشقاء، وتعيد البلاد إلى ما قبل الثروة والتطلع إلى النهضة. وفي اليمن ما هو مثل ذلك الذي في ليبيا ويزيد عليه، مما يجعل الشعب في اليمن وأخاه في بعض دول الخليج في استنزاف أموال وطاقات، وتجدد ثارات وعداوات، وذهاب إلى انعدام الثقة بين الأخوة لزمن قد يمتد بينما البيت بيت الأمة، والشعب واحد. وفي العراق كوارث بعد كوارث ترهق الناس وتودي بحياتهم وتسترخص أرواحهم.. بينما أصحاب الزعامات والمقامات والمسؤوليات والمليارات والتبعيات في نعيم مقيم وأمن “خضراء” ذات ظل ظليل وتعظيم وتفخيم.. أولئك قادة سادة، يجعلون العراق تحت سلطة متسلطين ومحتلين ومستعمرين يأمرونهم فيطيعون، ويحيلونه ميدان تصفية حسابات بين دول وقوى وتحالفات، ويبقونه قيد تقسيم للبلاد يعمل على إنجازه الصهاينة والأميركيون مع عملاء تاريخيين لهم وانفصاليين ذوي أحلام وأوهام، يشكلون لهم قوة ضاربة يمولها العراق لتحارب العراق وتضعفه وتفتته، ولطالما رفعت أعلام أعدائه الألداء على أرضه، ويعلن قادة أولئك وسياسيوهم مشروع إقامة دولة على حساب العراق الدولة، ويدعمهم في ذلك كيان الإرهاب الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية وأوربيون آخرون. وفي سوريا المأساة ذات أبواب وفصول وشُعَب وتشعبات، داخلية وعربية وإقليمية ودولية، وأخطر لاعبيها الاحتلال الصهيوني وحليفه الأميركي ذاك العنصري العدواني النهاب البشع الذي يقتل ويحتل ويسرق ويدفع لعملائه من نفط سوريا وجيوب أبنائها، ويجيُّشهم ليقاتلوها.. وأولئك الأدوات يترجحون على دورة الدولارات، ويعيشون على وهم دولة على حساب الدولة في سوريا، ويدفع بسطاؤهم وطيبوهم من المواطنين دما ثمن خيانة قيادات تقول بالشيوعية وترفع شعاراتها وتخدم الإمبريالية الأميركو- صهيونية وترفع راياتها العنصرية؟!.. والحرب في سوريا ما زالت ذات عجلات ودورات واحتمالات، ضحاياها بمئات الآلاف وانعكاساتها السلبية أصابت الملايين بالجراح والإعاقات والفقر والتشرد، وكوارثها معروفة موصوفة، ومستمرة بأشكال وصور من دون اعتبار لشعب ودولة وأمن، ومن عبرة ولا مَن يعتبر.. وفي لبنان تُلوِّحُ الحربُ الأهليةُ التي دامت أكثر من خمسة عشر عاما ودمرت ما دمرت، وشردت من شردت.. تلوِّحُ للشباب بأكف محنَّاة، وهم في الساحات يرفعون أصواتهم وراياتها وأيديهم بوجه مستغليهم، ويرفضون الفساد والمحاصصات الطائفية والحزبية، والفقر والإنهاك والانتهاك، وينادون بلبنان وطنا لكل أبنائه من دون تبعية تسحق الجماعة لصالح زعيم.
وقس على ذلك أحوال أقطار عربية وأقطار، بعضها تنور نارها يفور، وبعضها نارها تحت القدور، وبعضها نارها تحت الرماد تخمُد ولا تَهْمَد.. والحبل على الجرار.. وكل قطر يؤثر في القطر الآخر ويتأثر به على نحو ما: “سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وثقافيا”، فنحن أمة في دار، ندور في مدارات واقع وماضٍ، ونتطلع إلى مستقبل، ويعصف بنا الإعصار.. نحن هوية مُستَدَفة، وتاريخ يتناوشه من آن لآخر جهَّال بجهالة ومشوهون بنذالة، ونحن قسمات وسمات بارزة في الحضارة الإنسانية يحاول طمسها الأعداء وتابعون لهم من الأبناء، ونحن حاضر ينادي الماضي ويستطلع المستقبل.. ولنا في ذلك كله حوار وجوار وجولات ومدارات دُوار.
نقارب الماضي فنغرق في “كنا وكان”، وكل من كنا وكان لها ما لها وعليها ما عليها، نشد حبالَهما لكنهما لا تخرجاننا مما نحن فيه من أزمات وأحوال وأهوال، ولا نرى في غبشهما “الآن” رؤية تفضي إلى نور.. ونقارب “لو أنَّ”، لكنها لا تغير ما ينبغي أن يتغير في واقعنا وما نحن فيه، وعلى ذلك التغيير الواعي لأهدافه ووسائله وأدواته يتوقف أمر خرجنا من أزماتنا الطاحنة، ومن المزالق التي ننزلق فيها، لكي نرتقي مراقي الرقي ونشارف مداخل المستقبل، ونكون كما ينبغي أن نكون عليه.. ونقارب “عسى ولعَلَّ”، نأمل ونحلم ونركض في دروب ودروب.. فيصك سمعنا قول عرب هنا وعرب هناك يشبه صهيل خيول عبس وذبيان، يجرنا إلى حرب “البَسوس”.. فيا عجبا منَّا ويا عجبا لنا؟!..
وفي مدى سبح الكراهة هذا في هذا الخضم، خضم الحدث، الواقع، المأساة، النضال من أجل الخلاص والحياة.. لا نملك إلا أن نعود لمقاربة “لو.. لو..” بحسرة وصبر وقهر، وبإنهاك وشعور مر بأنواع الأسى والانتهاك.. إذ لم يبق لنا، وقد أغلقت بوجهنا معظم الأبواب، إلا أن نقارب “لو أن، ويا ليت لو أنَّ..” فربما جاءنا ذلك بسلوى عن بلوى، وربما تلفت عقولا وتثير في بعض الأنفس أسئلة ومراجعات تقود إلى وعي الذات للذات.. وربما كان في ذلك أمل بأن يفتح أصحاب المسؤوليات والقرارات والأسلحة والمعسكرات والثارات والتجارات والمليارات.. ربما يفتحون عقولَهم وعيونَهم على مصائر شعوبهم ليس فقط من باب الحرص عليها بل من باب الحرص على مصالحهم.. لأن تلك الشعوب إما أن تثور فتدعسهم بأقدام لا ترحم دعس الفيلة للواغل بينها من غير طينتها، وإما أن يرعووا فيراعوا حقها ويحقنوا دمها ويحفظوا بعض كرامتها، ويعيدوا لها بعض ما نهبوه منها، لتتنفس وتنتعش وتعيش وتحمي الأرض والثروات والمصالح والدول.. ويتاح لها أن تتحرر من نير المستعمر ونير تابعيه ووريثه ووكلائه وعملائه. إن لأولئك الذي نستهدفهم “بلو، ويا ليت أنَّ..” بلهجة مبعوجة ليعتدلوا وينعدلوا.. لأن لهم في ذلك مصلحة وفرصة إذا هم أحيوا شعوبهم وأطعموها ولم يتعلموا الدرس الماثل في القول الصائب: “اتّق غضبة الكريم إذا غضب”، فعادوا إلى “حلبها وامتطائها وجلبها من جديد”.. بما لا يتوافق ووضع يلخِّصُه القول المعروف: “لا يجوعُ الذيب ولا تفنى الغنم”.
وعلى أبواب “لو.. ويا ليت أن..” نقف وقفة ظامئ على امتداد رمل وسراب في قيظ صيف، ننظر إلى السماء لعل غيمة تمر وتجود علينا بما يطفئ النار فينا وفيما حولنا.. وعند عتبة تلك الوقفة، وعلى جناح “لو” نذكِّر بأنه: لو أن مئات مليارات الدولارات التي استنزفتها الحروب العربية البينية، وعشرات المليارات التي يسببها هدر الطاقات والأموال وتضييع الأوقات في إضرابات ومظاهرات تطالب بالحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية وتكلف مواجهتها مالا وتؤسس لكراهية ومقت.. ولو أن مليارات أخرى ضعف تلك مما يسرقه اللصوص، ويتسبب بضياعها الفساد والإفساد وشراء الأتباع والضمائر وقمع العباد.. ولو أن مليارات أخرى وأخرى مما ينهبه مسؤولون فاسدون وأعوانهم، ويتقاضاها أعداء الأمة العربية والمتآمرون والمحتلون وحُماة اللصوص والطغاة ووكلاؤهم الذين يحتلون بلداننا ويهيمنون على سياساتنا وقراراتنا ومصائرنا تحت مسميات التحالف وضمان الأمن والاستقلال و.. ولو أن قدرات المهنيين النوعيين والموظفين الذين يعدون بمئات الآلاف وتهدَر أوقاتهم وطاقاتهم بطرق شتى منها الكسل والبطالة وسوء الإدارة.. لو أن تلك المليارات كلها وظِّفت لخدمة الأوطان والإنسان بدل صرفها على التدمير والقتل والقهر والتعالي الفارغ وفرعنة اللصوص والجهلاء.. ولو أن.. ولو أن.. لكان الوطن العربي اليوم أقوى بلدان العالم وأغناها وأجملها وأفضلها، ولكان المواطن العربي في قمة التقدم وفي طليعة الرواد والريادات العملية والتقنية والمعلوماتية والاقتصادية.. لكن لشديد الأسف وعميق الأسى، يتضافر علينا الأعداء وسوء التقدير والتدبير والتفكير، والجهل والتجهيل، وسياسات تضاد العدل والعلم والعقل والمنطق والوجدان وتنتهك الحق والقانون.. فتفتك بنا وتجعلنا نتآكل ونسلم وطننا لأعدائنا، ونساهم بالفتك بأنفسنا.. تلك نكبة أجيال ونكبة أمة ونكبة وطن ونكبة عقل.. تلك محنة تتكرر سنة بعد سنة، وعقدا من الزمن العربي الرديء بعد عقد، وتتتالى وتتوارث عهدا سياسيا بعد عهد.. فتضاعف التخلف والجهل والتردي، وتسبب المآسي، وتحبط الآمال، وتدمر الفرص، وترفع الإمَّعات، وتُمْرِض الأنفس.. وتجعل الطاقات والكفاءات البشرية العربية والأموال تغادر أرض الوطن العربي الكبير، وتضع ثرواته قيد نهب الطامعين الجشعين والعدوانيين الأقوياء المتوحشين، وتجعل الشعب الفقير المقهور الطيب يغرق في الدم والذل والهم، ويتشرد في أصقاع الأرض، يتوسد البأساء ويستهلك نفسه.
لا أشك في أن هناك مَن يعترض على “لو .. ويا ليت أن..”، وأن هناك مَن يرى غير ذلك، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأننا نؤدي ما نستطيع في مناخ دولي لا يساعد ولا يمكننا أن نغيره، وأننا تقدمنا وقدمنا لعصرنا.. وأنَّ.. وأنَّ.. وأسأل الله ألا أكون عين السخط التي نظرت بها إلى ثلاثيات رهيبة، فأثارت أسئلة مغيضة.. فإنما أردت النظر في مرآة واقع نعيشه، وأنه آن لنا أن نخرج من ضائقاته وأزماته وكوارثه.. ورأيت إلى “ما كان يمكن أن يمنعه أو أن يخفف من وقعه المأساوي علينا”، وإلى “ما زال يمكن أن يساعدنا على الخروج من أزماته وظلماته”، والله ولي التدبير.. ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ
وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا

إلى الأعلى