الجمعة 13 ديسمبر 2019 م - ١٦ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / المولد الشريف والكمال الإنساني (2)

المولد الشريف والكمال الإنساني (2)

لقد وجدت البشرية في مولده الشريف مُنقِذًا لما هي فيه من الضلال، ومانعًا إياها من التهاوي في دركات التشريعات الأرضية المهلكة، وحاجبا إياها من التردِّي في وحل الإفرازات العقلية التي يسنُّها مَنْ يسنها لصالحه كما كان ـ على سبيل المثال ـ فرعون الذي حكى القرآن عن كبره وصلفه وتأليه نفسه بقوله:(ما علمتُ لكم من إله غيري ..)، وقوله:(ما أريكم إلا ما أرى)، وكان يقتل أبناءَ الناس، ويستحيي نساءهم، إما للزنا بهن، وإما للسخرة وتشغيلهم فيما يريد، ويرغب وحده من أعمال، وهكذا كلُّ من كان قبل مولده الشريف من الظلمة المتكبرين، وقد رأينا في سورة الكهف كيف قام الخضر بإعابة السفينة، وإعطابها، ثم فسر ذلك لسيدنا موسى فيما بعدُ، بقوله:(وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً)، ظلمٌ مستشرٍ في كل مكان حتى في البحر، حيث لم يسلم من الظلم لا البر، ولا البحر، وجاء فرعون إلى مَنْ آمن مع سيدنا موسى، وحاصرهم حتى ألجأهم واضطرهم إلى خوض غمار البحر، ومشاكله ولججه، فصار الناس يستنجدون بسيدنا موسى ـ عليه السلام ـ فيما حكاه القرآن الكريم بقوله:(فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ، وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء 53 ـ 68)، وهذا سيدنا إبراهيم ـ عليه السلام ـ الذي حاول جاهدًا إثناءَ الناس عن عبادة الأصنام، والأخذ بأيديهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، لكنهم عادوه، وحاولوا إحراقه وقذفوا به في أتُون النار المشتعلة، فنجَّاه الله من الظلم، والوثنيات الهابطة، قال تعالى:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُون) (الشعراء 69 ـ 76).
فنجاه الله من كيدهم، ومنع عنه شرهم، وجعلهم هم الأخسرين، قال عز وجل:(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ، وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 69 ـ 71).
وهؤلاء هم قوم سيدنا لوط الذين كانوا يعملون السيئات ما سبقهم بها من أحد من العالمين، ويأتون الرجال شهوة من دون النساء، ومسخوا آدميتهم بمعصية ربهم، فكانت مجتمعاتٍ تدنَّتْ عن مستوى الإنسانية، انظر ما حكاه القرآن الكريم عن سلوكيات البشر قبل المولد الشريف:(كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ، قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ، قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ، رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ، فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ، ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الشعراء 160 ـ 175).
وهكذا جميع الأنبياء، حاولوا انتشال مجتمعاتهم من سوء الأخلاق، وشنيع الأعمال، وسيِّء الفعال، وعُقْم الوثنيات، وحضيض المعاصي، فجاء المولد الشريف، فأرسى كل دعائم الحق، وعمَّق كلَّ ركائز العدل، ورسَّخ كل معاني القيم والأخلاق السامية والآداب العالية، حتى رأيت من بين ما رأيتتصدع إيوان كسرى الظالم،وتتهاوى منه سبع عشرة شرفة، وتغيض كذلك بحيرة ساوا، وتنطفئ نيران المجوس، ويبدأ القمر، فينشق فجره، ويضيء نوره، وترى أمُّ الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عند ولادته نورًا ينبعث، فيُنِير ما بين بُصْرَى والشام، وينتصر الحق، ويشيع الهدى والنور في جنبات المعمورة.

د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ـ جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى