السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقات الصينية ـ “الإسرائيلية” والنفعية الطاغية

العلاقات الصينية ـ “الإسرائيلية” والنفعية الطاغية

علي بدوان

يواصل مسار العلاقات المتبادلة الصينية ـ “الإسرائيلية” مسيره بشكل لافت، فالعلاقات بين الطرفين علاقات ذات توظيف استراتيجي واضح، على صعيد الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية والتجارية، وتبادل التكنولوجيا، وقطاع التقنيات الدقيقة (الهايتك) و(التكنولوجيا المدنية والعسكرية)، بعد أن كانت الصين الشعبية من أكثر الدول في العالم دعما وإسنادا وتبنيا للقضية الوطنية التحررية للشعب العربي الفلسطيني، بل كانت الصين الشعبية الدولة الأولى غير العربية في العالم التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية منذ ولادتها، وقد استقبلت وفدا رسميا منها برئاسة مؤسس المنظمة الراحل أحمد الشقيري عام 1966.
صحيح أن البراغماتية، وسياسة المنافع والمصالح باتت تشد معظم العلاقات بين المنظومات الدولية، لكن الأمر هنا في الحالة الصينية يبدو وكأن الصين أصبحت غير مكترثة لعلاقاتها ومصالحها العربية، حيث تربطها مصالح هائلة مع العالم العربي، ولا ننسى هنا أن نفط وغاز الصين يأتيها بمعظمه من منطقة الخليج بما في ذلك من إيران، حيث تعتبر الصين الشعبية بلدا غير منتج للنفط والغاز عمليا، بل البلد المستهلك الثاني للوقود الأحفوري على الصعيد العالمي، بواقع استهلاك سبعة ملايين برميل من النفط السائل يوميا عدا الغاز المُسيّل.
لقد بدأت العلاقات بين الصين الشعبية ودولة الاحتلال الإسرائيلي، وبشكل علني عام 1992، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانطلاقة أعمال مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط في أيلول/سبتمبر 1991، وتطورت تلك العلاقات بسرعة، حيث زار الرئيس الصيني (شي جي بينج) فلسطين المحتلة أربع مرات حتى الآن، ورافقه في كل زيارة بعثة ضمت وزراء ونوابا وزراء مع توقيع اتفاقيات ثنائية مع دولة الاحتلال، في مجالات “العلوم والتكنولوجيا والعلوم الحياتية والإبداع والصحة الرقمية والزراعة”، بالإضافة إلى “تعزيز التعاون بين الدوائر الحكومية، والقطاع الخاص، والقيام بأبحاث مشتركة في العلوم والصناعة وتخصيص منح دراسية لطلاب من الجانبين”، وتوضح أوراق الدعاية السياسية الصينية أن تطوير العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي يندرج ضمن محاولات الصين “بناء عالم متناغم يسوده السلام الدائم والرخاء المشترك”. لكن العلاقات السرية كانت قائمة منذ أكثر من عقد كما تُشير العديد من المصادر، فقد أبرمت حكومة الصين سنة 1985 عقدًا ذا صبغة عسكرية مع “إسرائيل”، تضمّن تحديث دولة الاحتلال الإسرائيلي للدبابات الصينية سوفييتية الصنع من أنواع وطرازات (ت 55) و(ت62) و(ت 72)، ومساعدة الصين في بناء غواصة من طراز “سونج”، وانعكس ذلك في تراجع دعم الصين لحركات التحرر ولحكومات الدول المناهضة للسياسات الاستعمارية في العالم ككل.
وتزامن تطور العلاقات الصينية ـ “الإسرائيلية” مع تطور الرأسمالية في الصين الشعبية، وحلول قضايا الانفتاح التجاري والاقتصادي، وفتح بوابات الاستثمار الخارجي في الصين الشعبية، وهي السياسة التي أسس لها المصلح الصيني (دنج سياو بينج) بعد رحيل مؤسس الصين الحديثة (ماوتسي تونج) ورئيس الوزراء التاريخي فيها (شو إن لاي) عام 1976، وحينها طرح (دنج سياو بينج) سياسة الانفتاح، وبدأت الصين الشعبية بتطبيقها عمليا عام 1978.
وعليه، تُشير المعطيات المتوافرة إلى ارتفاع قيمة صادرات “السلع والخدمات” “الإسرائيلية” إلى الصين الشعبية بنسبة 62% من ما يعادل 2,8 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2017 إلى 3,5 مليار دولار خلال نفس الفترة من سنة 2018، كما ارتفعت الواردات “الإسرائيلية” من الصين الشعبية بنسبة 10%، خلال نفس الفترة من 4,45 مليار دولار إلى 4,9 مليار دولار. أما قيمة الاستثمارات الصينية المباشرة في فلسطين المحتلة عام 2016 فقد ارتفعت بمقدار ثلاثة أضعاف، ووصلت إلى نحو 16 مليار دولار، وبالأخص في قطاع التقنيات المتطورة، فيما توقع تقرير “إسرائيلي” أن تحتل الصين مكان الولايات المتحدة، كأكبر مصدر للاستثمارات الخارجية، خلال عقد واحد، بينما تسعى الشركات “الإسرائيلية” للوصول إلى السوق الصينية الضخمة.
وفي هذا السياق، إن وزارة النقل في دولة الاحتلال الإسرائيلي كانت قد أبرمت عام 2015 اتفاقًا مع شركة حكومية صينية (مجموعة شنغهاي الدولية للموانئ) لإدارة ميناء مدينة (حيفا) في فلسطين المحتلة، لفترة 25 سنة، بداية من 2021، وستُنْفِقُ الشركة الصينية ملياري دولار، لتطوير الميناء، وتشييد مستودع جديد في الميناء تديره الصين، وتُشَغِّل به عمالا صينيين، ولكن الولايات المتحدة تعترض على تنفيذ هذا المشروع من قبل شركة صينية، لأن ميناء حيفا محطة مهمة لرُسُو وصيانة البوارج الحربية الأميركية، التابعة للأسطول السادس الأميركي العامل في البحر الأبيض المتوسط، مما قد يدفع “إسرائيل” لإعادة النظر، ليس في إلغاء العقد، بل في ترتيبات العقد مع الشركة الصينية، وهو ما تم على الأرجح. كما اشترت “مجموعة شانغهاي للموانئ” امتياز استثمار ميناء “أَسْدُود” أيضا في فلسطين المحتلة، إضافة إلى حَفْر أنفاق في جبل “الكَرمل”. فالولايات المتحدة تتحفظ على مسار العلاقات الصينية مع “إسرائيل”، وتتوجس منها، ولا تريد لها أن ترتقي لمستويات أعلى مما هو موجود بين أي دولتين في العالم، خصوصا وأن واشنطن تخوض صراعا حقيقيا، مع بكين، صراعا يتقد كل يوم كالنار المشتعلة تحت الرماد. وهو ما عبر عنه مؤخرا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، حين صَعَّدَ من لهجة الانتقادات التي تستهدف الصين الشعبية والحزب الشيوعي الصيني الحاكم قائلا: “إن بكين تسعى إلى الهيمنة الدولية ويجب التصدي لها”. وقد جاء كلام بومبيو في أعقاب خطاب مشابه لنائب الرئيس الأميركي مايك بنس مؤخرا، هاجم فيه سجل الصين الشعبية في مجال حقوق الإنسان والتجارة والأساليب التي تنتهجها بكين لتوسيع نفوذها العالمي.
بالنتيجة، أسئلة كثيرة، تثار حول علاقات بكين مع تل أبيب، فيما الحالة الرسمية العربية تغط في سبات عميق، فعلينا أن لا نخسر الصين الشعبية، التي ما زالت عمليا، ورغم كل تلك العلاقات ذات المنافع (البراجماتية) التي تربطها مع “إسرائيل” في صف المساند لقضية الشعب الفلسطيني، وهو ما يفترض بالدول العربية، وخصوصا منها التي تربطها علاقات جيدة مع الصين الشعبية أن تدفع الأمور باتجاه إحلال لغة المصالح العربية ـ الصينية أيضا.

إلى الأعلى