السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مواقف واحتفالات
مواقف واحتفالات

مواقف واحتفالات

جودة مرسي:
حين نتناول يوم العيد الوطني المجيد، الموافق الثامن عشر من نوفمبر من كل عام، ندرك كم أن هذا اليوم فارق في حياة المجتمع بمختلف أفراده وأعمارهم السنية؛ بل ويمتد هذا التأثير خارج نطاق المحلية إلى الإقليمية، وما يمثله من دلالات ومشاعر نحو جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ عرفانًا وحبًّا وولاءً لقيادته نهضة السلطنة.. ولأن النهضة أول ما اهتمت به كان الإنسان وبيئته، فكان العلم والإيمان والتربية هما العنوان الرئيسي لتربية أجيال تحمل على عاتقها نهضة علمية وأخلاقية وسلوكية..
واسمحوا لي أن أحكي موقفًا حدث لي الأسبوع الماضي دون أي إضافة أو نقصان:
كنت أسير ومعي عائلتي في شارع السلطان قابوس متوجهًا لأحد “المولات” التجارية، وقبل أن أصل إلى مدخل المطار القديم، فوجئت بإحدى السيارات تأتي خلفي مسرعة وهي تعطيني إشارة للتوقف (يقلب بالضوء العالي)، فأخذت جانب الطريق.
لحقتني السيارة من الخلف، ونزل منها مواطن شاب مسرعًا، وسلم علي، وقال: “أطفئ السيارة بسرعة، وافتح الكبوت (غطاء الماكينة)، فسيارتك يتساقط منها شرارة نار”، وبالفعل أطفأت السيارة، وفتحت (الكبوت)، وإذ بالمنطقة التي أسفل الماكينة وترتبط بالتوصيلة التي تصل بـ(الشكمان) يوجد فوقها كتلة نار، فذهبت لأحضر الطفاية؛ ولكنه كان أسرع مني، فأحضر طفاية الحريق التي لديه، وأطفأ النار”.
لم يكتفِ بإبلاغي، فلم يتركني وينصرف، بل كشف على السيارة، واستنتج وجود قطعة جلد ـ لا نعرف مصدرها ـ كانت فوق العادم (الشكمان)، ومن سخونته اشتعلت، كما عرض علي توصيلي وعائلتي إلى وجهتي، وحين رفضت ـ حرجا مني كي لا أعطله أكثر من ذلك ـ فإذ بي أجد أسرته تقف بجوار أسرتي لتهدئتها، بعد أن أصابها الهلع.
عيناي كانت تخفقان كدقات القلب المرتجف، لا يلهيها عن التفكير في سوداوية المشهد لو لم تكن عملية الإنقاذ ناجحة، سوى نظرات التأمل والإعجاب بشهامة الشاب العماني وعائلته، فالجفون التي ترمش تحيةً وتقديرًا غفلت عن وقوف سيارات أخرى، رمقتها تدريجيًّا عندما اقترب أصحابها يعرضون علينا المساعدة في توصيلنا إلى المكان الذي نريده.
ذهني كان شاردا، مهتما بالإجابة عن تساؤل: ماذا لو لم يلاحظ هذا الشاب شرارات النار التي كانت تتساقط من سيارتي؟ وعقلي يجيب بالطبع كانت النار ستمتد إلى الموتور، ولا أعلم ماذا كان سيكون مصيري أنا وعائلتي؟
الشاب الذي أيقظ غفلتي بالسيارة، عاد مجددا وأيقظ “نوبة سرحاني” عندما أخبرني أن السيارة لم يعد بها أي خطر ويمكنني السير بها، وقال لي: “وإذا أحببت أمشي وراءك إلى أن تصل إلى وجهتك”؛ لكن جرعات الاطمئنان التي أعطاني إياها دفعتني لمواصلة السير في طريقي، ولم أندم على شيء سوى أنني لم أحتفظ باسم وهاتف هذا الشاب الذي أنقذ حياتي وحياة أسرتي، فقد كان مثل “الملاك” أطفأ النار، وأضاء الطريق، ومضى مسرعًا.
باختصار هذه هي شخصية المواطن التي عاشرتها طيلة وجودي في السلطنة، والتي هي نتاج مجتمع متدين، ومتحضر، ومحب للآخر، أناس استوعبوا كل مفردات النهضة المباركة، اندمجوا فيها وتعايشوا معها فبلورت قيما إنسانية سكنت في مكنونات الشخصية الراقية ـ أي العمانية ـ التي يتشرف بها كل عربي.
علامتا تعجب!!
لم أتعود أن أرد على من ينتقد أو يثني على ما أتناوله في مقالي، فرضا الناس غاية لا تدرك، والنيات تخص أصحابها، المعول عليه هو المحتوى، ولأن الأمر ارتبط بكيان أحبه وأعيش تحت سمائه، فأرد على صاحب علامتي التعجب في مقال “مجلس الشورى وبناء الديمقراطية” ـ مع كامل تقديري واحترامي الشديد له ـ لأؤكد له أن تجربة عمان في التصويت الإلكتروني بتقنية وطنية 100% لم تحدث في المنطقة كلها والسلطنة سباقة فيها، وتقديمها كمشروع وطني رائد، كما أن أهم شيء في الديمقراطية أن يكون المناخ مهيأ لها والممارسات هي التي تعزز الفكرة.. فأرجو أن تتسع حدقة العين لترى ديمقراطية عمان التي تعطي دروسا لمن حولها في كيفية بناء الأوطان، ولا يجب أن نعطي ظهرنا للنور ووجهنا لغيره، فالسلطنة غزيرة الخير كـناقة “مع مري” لبنها تغذي به أبناءها.
هذا ما حدث الأسبوع الماضي من موقفين، أتركهما أمام عيني، وأنا أشارك احتفالات البلاد بالعيد الوطني المجيد التاسع والأربعين، وسط مفاهيم ودلالات عميقة في ظل مسيرة تنمية شاملة شهدتها وتعيشها البلاد نتيجة جهود أثمرت وأينعت وتقطف ثمارها كل حين.

إلى الأعلى