الجمعة 13 ديسمبر 2019 م - ١٦ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / البعض يستثمر في العاصفة

البعض يستثمر في العاصفة

عادل سعد

مع كثرة المتسلقين والمتنطعين والمصابين بنقص القناعة، أعني الفاسدين الذين يخوضون في عمق الثراء العراقي عبورا إلى (اللقمة) الأكبر.. أقول مع كثرة هؤلاء، يظل تصنيع ملفات اتهام لعراقيين شرفاء واحدا من مساعي أولئك المتسلقين لكي تختلط الرؤية، ويسود عدم اليقين بوجود (ناجين) من هذا الداء، وهكذا تكون نسخة الشكوك والريبة والتمويه قد غطت الجميع وكأن هناك إشارات ضمنية تروج للامتناع عن المباشرة بفتح كل الملفات، وبالأخص الملفات التي تحمل فضائح تزكم الأنوف، وإذا لزم الأمر يتم الضرب على (الأطراف) لكي يقال إن مواجهة الفساد مستمرة.
لا يحق القول إن جميع السياسيين القائمين الآن على مقدرات العراق فاسدون، مثلما لا يحق القول أيضا إن فرصة الإصلاح لا يمكن أن تتوافر للعراق، ففي ذلك تبشير واضح باليأس والاستسلام والخضوع للمرارة؛ أي ترك الأوضاع بما هي عليه من نفايات وخلط، وتصنيع مسوغات على أساس لا يصح في النهاية إلا الصحيح، وأن الأحداث بخواتمها، وتلك مزاعم تخديرية ليس إلا.
إن مقاربة الحقيقة تتطلب القول إن ما يحكم المشهد السياسي العراقي هو ثقافة المتاريس المتخاصمة وليس ما تتطلبه الساحة الوطنية العامة من وجود تنوع ينبغي أن يكون صماما ضامنا لتوزيع عادل للفرص بعيدا عن نزعات الاستحواذ والهيمنة والإلغاء.
إن الاستدلال على المتاريس والتحصن فيها لا يتطلب سوى نظرة إلى مواقع السلطة عندما لا تجد أحدا في هذه المتاريس على تعددها يملك شرف الاعتراف بأنه ارتكب أخطاء، أو أنه سرق ومد يده على المال العام، أو أنه وضع أنفه في مجال تنفس الآخرين، أو أنه في لحظة ما تجاوز على حقوق البلاد، وإلا ماذا تعني المناطق المتنازع عليها في وطن واحد جغرافيا؟ وماذا يعني بقاء رقم كبير من الألغام في الدستور بهدف تكريس العجز في ميزان (المدفوعات) الوطنية وتكريس صورة اللافتة المعروفة كل يغني على ليلاه.
لقد توالد هذا المشهد تحت وطأة التنافر رغم مزاعم الجميع على إيجاد حلول جذرية طال انتظارها، في حين يسود التقاعس عن المواجهة، إنها مشاهد تضاهي لعبة (الغميضة) من دون أن تجرؤ السلطة بمختلف تنوعاتها على الامتناع من الكسب السياسي، ليس كحق طبيعي لها، وإنما للاستثمار في العاصفة، وهكذا أيضا وعلى اتساع الحدث وكثرة الانجرافات فيه، أوقعت أغلب الفضائيات التلفازية مشاهديها في الحيرة عندما صنعت محللين (خدج) لمواكبة الوقائع الطارئة، على أساس أن كل جديد يحتاج إلى جديد يزامله، وهكذا تم الاستثمار في التمويه وضياع الحقائق، ولفلفة المنطق والمكابرة على الحقائق، يواكبه أيضا سلوك مخادع لسياسيين يقولون في الغرف المغلقة ما لا يقولونه في الإعلام.
إن العراق الآن بحاجة ماسة إلى خريطة طريق لصحوة ضمائر، وأقفال ومفاتيح جديدة لأموال الريع النفطي؛ لأن (المال السائب يعلم السرقة) مع هامش جاد لبرنامج (امسك حرامي) ضمن منهج قضائي لا يوفر أي انتشال للمتورطين في الفساد، وعندها تكون التنمية قد وجدت ضالتها في معالجة كل مشاكل العوز وعدم العدالة. ويحضرني هنا ما قاله لي أحد المعتصمين في ساحة التحرير إن الفاسدين أكلوا حقوقنا مرتين متكاملين بالرواتب الباهظة التي يتقاضونها بغير وجه حق، وكان يمكن توظيفها في مجالات تنموية، وكذلك بالسطو المبرمج على ما تبقى في زوايا خزائن الدولة. ومع ارتفاع وتيرة الاختلاطات، لا يمكن إحراق كاميرات الاستطلاع الأمني في واجهة البنك المركزي العراقي إلا تماهيا مع تلك الاختلاطات، وتحضرني هنا أقصوصة كنت قد دونتها مفادها أن مجموعة من الثعالب اقترحت على أسد الغابة بناء مقهى (لسكانها) يكون بمثابة محطة للاسترخاء من متاعب الخصومات وللتداول بين الجميع، واتضح أن الثعالب كانت تغتنم وقت الالتقاء للإغارة على بيوض الطيور، إنه الاستثمار في الفرص.
وبالعودة إلى فرص العاصفة مجددا يظل ما قاله شاعر الهند طاغور ذاكرة للتحذير الأعلى نبرة (إن نوايا العواصف سيئة).
لقد نجح التواصل بين باكستان والهند في تأمين ممر آمن للهندوس للاحتفال في معبد لهم في العمق الجغرافي الباكستاني، ويبدو أيضا أن روسيا وأوكرانيا التقطا الفرصة للقاء قمة منتظر بين الرئيسين الروسي والأوكراني لإنهاء ذيول ما جرى في شبه جزيرة القرم.
الحال إنه التراجع عن الاستثمار في العواصف، السؤال: هل تكفي هذه الشواهد في تفكيك العاصفة العراقية؟ المحنة أن يكون هناك في العراق من لا يريد أن يتعلم.

إلى الأعلى