السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ذكاء طبيعي

ذكاء طبيعي

د. أحمد مصطفى أحمد:
أكثر ما يقلق العاملين في شتى مجالات النشاط الإنساني حاليا هو تطور الذكاء الاصطناعي، أو الزيادة المطردة في الاستعانة بالروبوتات الذكية للقيام بوظائف البشر وانعكاس ذلك على معدلات البطالة في العالم، وما قد ينتج عن ارتفاعها من مشاكل اجتماعية وسياسية. ومع استمرار تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والروبوتات الذكية سيزيد تطبيقها في مجالات لم تكن قبل فترة وجيزة متخيلا ألا يقوم بالعمل فيها غير البشر. والأمر هنا يتجاوز استخدام الروبوتات وتطوير ذكائها ببرمجيات متطورة تحاكي التصرف البشري في مجالات تمثل خطورة على البشر مثل تفكيك القنابل وبعض عمليات الإنقاذ المعقدة، وفي بعض الصناعات كصناعة السيارات والعبوات وغيرها. فالروبوتات الذكية تقوم الآن بمهام في الجراحة العلاجية الدقيقة وغيرها، بل وحتى أعمال عادية مثل النقل والتحميل… إلخ.
وفي ذلك يمكن القول إن تطوير الروبوتات الذكية إنما يساعد البشرية في القيام بالمهام الصعبة أو الخطرة على البشر ما يجعل الإنسان يكرس جهده للمهام التي تتطلب الذكاء الطبيعي، ويحتاج إنجازها إلى العقل أكثر من العضلات. لكن المثير الآن أن هذه المجالات أيضا تشهد دخول الآلة مجال العمل محل الإنسان بتطوير برامج حاسوبية (كمبيوترية) قادرة على القيام بعمليات ذهنية تحاكي الذكاء الطبيعي، بل إن هناك تجارب على تطوير برمجيات تحاكي العواطف والمشاعر. ومع سرعة التطور التكنولوجي ستصبح مهن كثيرة بلا عاملين من البشر، أو على الأقل في البداية يعمل بها البشر والآلات معا. ورغم أن من يطورون تلك الآلات الذكية والبرامج التي تقوم بمهام بعض من نشاط عقل البشر هم بالأساس بشر يستخدمون ذكاءهم الطبيعي في ذلك التطوير التكنولوجي، إلا أن المخاوف من قدرة الآلة الذكية على تطوير نفسها ذاتيا بتحديث برمجياتها لم يعد ضربا من الخيال العلمي.
بل إن هناك الآن من يتوقع أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي الذكاء الطبيعي مع إطلاق “الكمبيوتر الكمي” والمعالجات فائقة السرعة، ولن تحتاج الآلة الذكية بعد ذلك الذكاء الطبيعي للبشر لتطويرها وصناعتها. فقد تكفل الذكاء الطبيعي للبشر بابتكار الطابعات ثلاثية الأبعاد (وهي من إبداعات الذكاء الاصطناعي أيضا) وبالتالي يمكن للآلة التكاثر والتطور بإبداعات آلية أو ذاتية. وإذا استمر المرء على هذا التوجه فسننتهي إلى ما يمكن وصفه برواية خيال علمي عقدتها الدرامية الأساسية هي الصراع بين الإنسان والآلة أو الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي. لكن من قال إن هذا الصراع ليس موجودا بالفعل من الآن، وما يتخوف منه كثيرون ما هو إلا إرهاصات لما ستكون عليه الأوضاع بعد بضع سنين. فكثير منا لعب الشطرنج الإلكتروني، أو حتى لعبة الورق الإلكترونية (سوليتير) على حاسوبه (كمبيوتره) وهي وغيرها منافسات بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الطبيعي.
وإذا كانت الصورة مخيفة وأن الإنسان ربما يصنع بيديه (وبذكائه الطبيعي) ما يمكن أن يهدد مستقبله على الأرض، فكيف للذكاء الطبيعي للبشر ألا يفطن لهذه المخاطر من البداية؟ أتصور أنه فطن واستمر في التطوير والإبداع معتبرا الذكاء الاصطناعي امتدادا للذكاء الطبيعي، ومستبعدا تماما فرضية صراع الآلة والإنسان إلا في إطار ما شهدته البشرية من مراحل تطورها المختلفة. فالدواب مثلا لم تختفِ باختراع المحرك الذي يدير وسائل النقل، والكائنات الأقل لم تختفِ من الأرض؛ لأنها لم تعد تلعب دورا كالسابق في حياة البشر، والأمثلة لا تعد ولا تحصى. كل ذلك بالطبع لا ينفي أن تطورات التكنولوجيا تحفها مخاطر، خصوصا إذا لم تكن مؤطرة بقواعد أخلاقية وقيمية، بالضبط مثل المخاوف التي تثار حول الهندسة الوراثية للبشر والاستنساخ وغير ذلك. وحتى الآن فإن تلك الأطر القيمية والأخلاقية مقصورة على العقل البشري؛ أي الذكاء الطبيعي.
ومهما برع المطورون والمبرمجون في إنتاج برامج معقدة فائقة السرعة والقدرة فإن استخدام تلك البرامج سيظل بشريا. ولنتصور مثلا انقطاع التيار الكهربائي في منطقة نتيجة عطل ما، فكيف ستستطيع الآلة التي تعمل بالكهرباء أساسا اكتشاف العطل وإصلاحه وذكاؤها الصناعي متوقف نتيجة فقدان الطاقة؟ ناهيك عما يحدث أحيانا حين “يعلق” الحاسوب أو الهاتف الذكي وتحتاج إلى إعادة تشغيله كي تتفادى العطب الطارئ. صحيح أن الذكاء الطبيعي قد يطور من الذكاء الاصطناعي ما يوفر ويخزن الطاقة لدى الآلة وأيضا يبرمجها بحيث تعيد تشغيل نفسها لتفادي توقفها المفاجئ، لكن ذلك لن يعني أبدا إمكانية الاستغناء عن الذكاء الطبيعي؛ أي عن البشر. ميزة البشر، وبقية الكائنات الحية من نبات وحيوان وغيرها، أنها “طبيعية” وليست “صناعية” وبها سر من خالقها في وحدتها الأساسية: الخلية الحية. إنما كل ما هو اصطناعي سيظل بحاجة لخالقه: الإنسان الطبيعي. وستبقى حلول مشاكل الكون بحاجة لما هو طبيعي، أو كما يقول المثل “الطبيعة دوما تجد مخرجا من تلقاء نفسها” إنما الآلة، مهما كانت قدرتها على الإصلاح الذاتي فمعرضة لعطب لا يحله إلا إنسان بذكائه الطبيعي.
لا نقول إن الذكاء الاصطناعي والآلة الذكية لن تغير حياة البشر بشكل جذري وفي وقت قريب، لكن أيضا لا نرى أن ذلك سيعني “نهاية البشر” بصراع مع الآلة الذكية.

إلى الأعلى