السبت 7 ديسمبر 2019 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: عُمان تبني الإنسان

في الحدث: عُمان تبني الإنسان

طارق أشقر

فيما تستمر الاحتفالات بالعيد الوطني التاسع والأربعين المجيد 2019م، تظل إنجازات النهضة العمانية في مختلف المجالات مثار اهتمام كل مهتم بتقييم تجارب تنمية المجتمعات الإنسانية والدول.
ومع سهولة تنمية وتطوير المنشآت العمرانية، والقطاعات التجارية، والصناعية، والبنى الأساسية المادية، خصوصا في الدول ذات الإيرادات المالية الكبيرة الناتجة عن ريع الصادرات خصوصا في الدول النفطية، كون تلك القطاعات لا تحتاج لأكثر من اتباع منهجية اقتصادية تنموية تستند إلى التخطيط الاستراتيجي، ورصد الميزانيات اللازمة على أساس المواءمة بين الدخل والمنصرف وما يتحقق من نتاجات تلك المواءمة من مشروعات تنموية ملموسة، يظل بناء الإنسان هو الأهم والتحدي الأكبر لأي تجربة تنموية، خصوصا وأن الإنسان هو الهدف من التنمية والوسيلة والأداة لتخطيطها وتنفيذها معا.
لهذه التكاملية في الأدوار المتمحورة حول الإنسان وعلاقته بالبناء والتنمية، أثبتت السلطنة عمليا، بأنها تبنت نموذجا تنمويا يحتذى به في التوازن بين التنمية الإنسان والعمران، ودون إهمال لطرف على حساب الآخر، مراعية في ذلك أن الطرفين بالضرورة يكملان بعضهما البعض من حيث حاجة الإنسان لبنى أساسية متطورة تفي بكل متطلباته الحياتية المتنامية، جنبا إلى جنب حاجة العملية التنموية نفسها لإنسان مصقول المهارات، مؤهل بمختلف العلوم، محمي من الأمراض الفتاكة، ومواكب للتطور التكنولوجي، وغيرها من المؤهلات التي ينبغي أن يتزود بها من هو مطلوب منه إعمار الأرض.
والمتتبع لمسيرة النهضة العمانية يجد أن السلطنة وفرت للإنسان بنية تعليمية متكاملة المراحل، فحققت بذلك نقلة نوعية وعددية في المدارس من عدد يحصى على الأصابع في بداية السبعينيات إلى حوالي ألف وتسعمئة وسبع وعشرين مدرسة مختلفة المراحل حتى العام الدراسي الماضي 2018/2019م، يدرس فيها أكثر من ثمانمئة وخمسة آلاف طالب وطالبة، يقوم بتدريسهم سبعون ألفًا ومئتان وخمسة وثمانون معلما ومعلمة، وذلك حسب إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
هذه الطفرة في قطاع التعليم المدرسي اتسقت معها طفرة ملحوظة في قطاع التعليم وفق مساعٍ حثيثة لتوافق مخرجات مؤسسات التعليم العالي المحلية مع متطلبات سوق العمل، الذي ظلت مؤسسات التعليم العالي ترفده باحتياجاته، جنبا إلى جنب مخرجات قنوات التدريب الأخرى، ومخرجات البعثات الخارجية والتعليم فوق الجامعي.
وفي سياق بناء الإنسان أيضا، اهتمت النهضة العمانية بصون صحة الإنسان، عبر إقامة المستشفيات والمراكز الصحية، والمراكز العلاجية والمستوصفات العامة والخاصة في مختلف أنحاء البلاد، فوصل عدد المستشفيات التابعة لوزارة الصحة وفق إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى تسعة وأربعين مستشفى بمختلف محافظات السلطنة تضم أكثر من خمسة آلاف سرير، بالإضافة إلى ثلاثة وعشرين مجمعا صحيا ومئة وأربعة وثمانين مركزا صحيا، حيث يعمل في جميع المؤسسات التابعة لوزارة الصحة أكثر من تسعة وثلاثين ألف مهني وموظف وعامل… كل ذلك من أجل الاهتمام بصحة الإنسان في عمان.
لم تقتصر عملية بناء الإنسان في عمان على التعليم والصحة والتدريب، وتوفير مرافق المناشط الرياضية، ولا على توفير فرص العمل التي عبرها يصقل الإنسان مهاراته، ويكتسب المزيد من الجديد منها، بل تتسع دائرة البناء لتشمل المؤسسات الثقافية والإعلامية، التي تلعب هي الأخرى دور الأداة الفاعلة في تعزيز عمليات البناء الثقافي، سواء بالتثقيف التراكمي، أو عبر الإبداع الفكري والأدبي، الذي يعتبر هو الآخر أحد نتاجات ومخرجات عمليات بناء الإنسان العماني، علاوة على العديد من الدور الثقافية الأخرى المتخصصة كالجمعيات المهنية وكدار الأوبرا السلطانية التي تشكل جسرا منيعا للتبادل والتواصل بين ثقافات الشعوب.
كل هذا الزخم من عمليات البناء للإنسان العماني تمت وتتواصل عبر خمسة عقود، مرتكزة في ذلك على ماضٍ عريق من الإرث التاريخي للإنسان العماني الذي كان ضمن رواد عصره، فلم تهمل النهضة ذلك الماضي دون أن ترتكن إليه، بل دفعت بنتاجات قوة عزيمته في إطار من المواكبة لمستجدات ومتطلبات العصر ليمضي الإنسان العماني في طريق النمو والتطور والازدهار، مؤكدا على إمكانية بناء الإنسان بجدارة مهما قصرت الفترة الزمنية ولكن دون حرق للمراحل.. فهنيئا لك يا عمان بنهضتك، داعين الله العلي القدير أن يسبغ على قائدها بموفور الصحة والعافية.

إلى الأعلى