الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: الهجرة النبوية الشريفة .. فرصة لأخذ الدروس والمواعظ

رأي الوطن: الهجرة النبوية الشريفة .. فرصة لأخذ الدروس والمواعظ

عام هجري طوى صحائفه بما له وما عليه، ليهل علينا عام جديد يمنحنا مطلعه فرصة لتدارس المعاني الجليلة الكامنة في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لعل في مقدمتها القدر الذي تحلى به المؤمنون الأوائل من الصبر على المكاره وتحمل الإيذاء والاضطهاد ومجاهدة النفس في حصار اقتصادي يحول بينهم وبين الماء والزاد، بينما الملأ من قريش يتناجون في دار الندوة بالإثم والعدوان ويتآمرون متأبطين شرًّا برسالة الإسلام وبرسول السلام والإسلام والمحبة، ويفكرون في كل ما من شأنه محاصرة الدعوة الوليدة، والتنكيل بمن آمن بها خصوصًا من المستضعفين والعبيد، وكل هذا يقودنا إلى تعلم الدرس الأول من ذكرى الهجرة الشريفة، في ضرورة التحمل والتجمل بالصبر والثبات على المبدأ لمواجهة أحلاف أشد شراسةً وعنفًا من تحالف الملأ في المجتمع القرشي، بوسائل وأساليب غير منفرة تخاطب الألباب وتجادل العقل بالحجة والبرهان والمنطق، لا بالقوة والسيف ورمي الاتهامات وبالتشويه والشتم وبأقذع الأوصاف والشتائم.
ولعل تبني خيار الهجرة من مجتمع الشرك والوثنية في قريش إلى مناخ حاضن بالمدينة المنورة، لتوفير فرصة لتدعيم ركائز الدعوة الوليدة ونشرها في محيط أوسع يمثل تعزيزًا لقوتها ومناعة تحول دون النيل منها، كان من أول وأروع الدروس التي تعلمها رسالة الإسلام ومبلغها الأمين عليه الصلاة والسلام للمسلمين وللناس كافة، بعيدًا عن الشطط والظلم والتحريض والتأليب ودس الدسائس والمؤامرات وبناء تحالفات مشبوهة مع طرف ضد آخر، الأمر الذي يقدم لنا درسًا ثانيًا بليغًا في هذه الذكرى العطرة، يتمثل في ضرورة المفاضلة بين خيارات متعددة، وتبني أقصرها طريقًا وأفضلها مسلكًا نحو تحقيق الغايات والأهداف، وأيضًا بعيدًا عن المغامرات والحماقات غير المحسوبة والكلف المادية والبشرية، ورفضًا لمظاهر العنف والتدمير والتخريب، ومحافظةً على كل قطرة دم ونفس وحيوان وشجر وكل ما يُنتفع به ويخدم الناس. وحين وصل الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لم يعتبر المخالفين للإسلام أعداء يجب مقاتلتهم وقطع رؤوسهم، بل وقع وثيقة العهد مع اليهود لترتيب أوضاع المدينة وتسيير أمور المسلمين وضمان حقوقهم في الحياة والعبادة، ومباشرة الدعوة ونشر الرسالة المحمدية بمخاطبة العقل والعاطفة وإبداء روح التسامح في الإسلام، وارتكاز الخطاب على الحكمة والموعظة وحسن المعاملة واللين.
والتلاحم الرائع الذي ساد بين المهاجرين من مكة والأنصار في المدينة، كان من أروع وأبلغ الدروس تقدمها الهجرة النبوية ورسالة الإسلام السمحة دون نظر إلى مظاهر الاختلاف، فلا معنى للوصف أو الانتماء للطائفة، وبالتالي اختفى الوصف والتصنيف بأن هذا مهاجر وهذا أنصاري وذلك حين وصل ذروته باقتسام المال والثروة وسبل العيش بين الفريقين، في توحد جميل يؤكد معاني الأخوة في العقيدة، قبل أن تكون بالدم والرحم، ويسقط من حساباته تمامًا أي تفرقة على أساس طائفي عرقي، أو أي مفاضلة بين مؤمن وآخر إلا بتقوى الله، تصديقًا لتعاليم عقيدة تجعل الجميع سواسية كأسنان المشط، ولا يعلو فيها هذا عن ذاك إلا بالارتقاء في مراتب الإيمان وخشية الله تعالى والعمل بما يحبه ويرضاه، وفي هذا يكمن درس ثالث نتعلم منه في ذكرى الهجرة، بنبذ التطرف والتعصب الطائفي والمذهبي، والتوحد على كلمة سواء أمام الأخطار التي تحيط بالأمة من كل اتجاه.
وفي حادث الهجرة ذاته تبيان لدور المرأة والشباب في نصرة الدعوة وإعلاء كلمة الحق والانحياز للفضائل، ويتمثل ذلك في دور أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عندما كانت تحمل الزاد والماء في الخفاء للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ورفيقه، وفي دور علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، عندما نام في فراش النبي تلك الليلة التي تحالف فيها شباب من مختلف قبائل وعشائر قريش بإيعاز من كبرائها، ليقتلوا الرسول عليه الصلاة والسلام بضربة رجل واحد فيتفرق دمه الزكي بين القبائل.. فهذه هي المرأة حين يُحسن معاملتها وتُعطى قيمتها وتصان كرامتها، وشرفها وعرضها، فالمرأة معطاءة مقدامة عاملة منتجة، معززة مكرمة، ليست مطية للشهوة، وسلعة تباع وتشترى، وينتهك عرضها وشرفها وتُهان كرمتها، وما أحوج المسلمين في عصرنا الراهن لتعزيز دور المرأة وتفعيله باعتبارها صنو الرجل وشريكته في بناء حياة آمنة مستقرة، ولتربية الناشئة والشباب على مبادئ تؤهلهم للتضحية بالنفس في سبيل العقيدة. وما أحوج المسلمين إلى مراجعة مناسباتهم الدينية لأخذ العبرة والعظة والدروس، والعودة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ففيهما وبهما الخلاص والنجاة.

إلى الأعلى