السبت 7 ديسمبر 2019 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / أُمتنا لن تموت .. وحقنا سيعود لنا

أُمتنا لن تموت .. وحقنا سيعود لنا

علي عقلة عرسان

الرَّاشي النَّهاب الذي يحب رائحة النفط ويحتل آبار النفط السوري ويسرقه علنا وبالقوة العسكرية، دونالد ترامب، قدم أول أمس رشوة للصهاينة العنصريين ليقفوا إلى جانبه في القضية المعروفة بـ”الفضيحة الأوكرانية”، ليمنع تنحيته التي بدأ الكونجرس إجراءاتها بقرار من الحزب الديمقراطي.. فقد أعلن ترامب ما يشينه ويشين الولايات المتحدة الأميركية، ويكشف إفلاسها الأخلاقي وعبثها بالقانون الدولي وبالقيم الإنسانية والعدالة، حيث قدم للمحتل الإسرائيلي اعترافا أميركيا “بشرعية المستوطنات” التي أقامتها “إسرائيل” في الضفة الغربية إليها، وهذا هو الانتهاك الثالث للقانون الدولي الذي يمارسه ترامب في موضوع قضية فلسطين، بعد أن قدم لكيان الإرهاب والاحتلال الصهيوني اعترافا بـ”القدس عاصمة”، و”بضم الجولان السوري المحتل”. فقد صرح الوزير بومبيو يوم الاثنين ١٨/١١/٢٠١٩ بأن: “الولايات المتحدة لم تعد تعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولي”؟!.. ورحب الإرهابي القاتل والمجرم الفاسد بنيامين نتنياهو “بتغيير موقف الولايات المتحدة بشأن الاستيطان الإسرائيلي، واصفا إياه بـ”تصحيح للخطأ التاريخي”؟! وما الخطأ التاريخي في الأصل إلا إقامة “دولة عنصرية بقوة الإرهاب في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني، ولجعل الأمة العربية كلها تعاني من قاعدة عسكرية “صهيو ـ أميركوـ أوروبية” في فلسطين تقسم الوطن العربي بخنجر مسموم إلى قسمين لا يتواصلان جغرافيا كما هو الحال “آسيوي وإفريقي”، وتستنزف الأمة كلها وتهيمن على مقدراتها وثرواتها وتنتهك سيادتها وتشل قدرتها على التقدم والنهوض.
العالم يتفرج على هذه المؤامرة المأساة منذ مئة سنة، ويسكت على معاناة شعب واضطهاده وعلى تنفيذ برنامج إبادة “مادي ومعنوي” له يستمر منذ وعد بلفور المشؤوم وقرارات عصبة الأمم في الربع الأول من القرن العشرين، بإراقة الدماء، والاقتلاع من الأرض والاستيطان وتعزيز القاعدة العسكرية الصهيونية بالسلاح المتطور، نووي وغير نووي، وبالمال والمواقف السياسية والدبلوماسية وغير ذلك.
العالم تنتهكه القوة الغاشمة منذ الحرب العالمية الأولى على الأقل، والشعوب الفقيرة والدول الضعيفة في ظلمات واستعمار ونهب واضطهاد وحروب تتجد.. والأقوياء يزدادون قوة وعنجهية ونهبا وبقية البشر ينتهكون جسديا وروحيا، وتسلَب حقوقهم وينهبون ويهانون.. القوة الغاشمة داء البشرية، وعالم البشر أصبح أكثر من غابة محكومة بوحشية، لأن الوحوش تفترس عندما تجوع أما الأقوياء والطغاة فيفترسون لإشباع رغبة بالافتراس لا تشبَع ولن تردع إلا بمثلها.. وإذا ما اضطر العالم لذلك فتلك حُلكة قرون من الزمن تكلف ما لا يمكن تصوره من تكاليف وتدمر أرض البشر.
عالمنا المتقدم علميا وتقنيا وعسكريا، والمتخلف أخلاقيا وعدالة وحرية وإنسانية، أفسده توحش القوة وتبرّؤها من الأخلاق والقيم وانتهاجها نهج السيطرة والنهب والإفقار وفرض التبعية بكل الوسائل الممكنة، ومنها العمليات الإبادية بأيدٍ تضع قفازات حريرية.. عالمنا هذا الذي صنعه الأقوياء على هواهم ووفق ما يفيدهم، وهيمنوا عليه وتداولوا دمه وثرواته فسد وضاعت فيه القيم والمبادئ والعدالة والحقوق والقوانين والحريات.. وأصبح معظم الناس فيه لا يشعرون بمآسي الناس لأنهم غمروا في الهم والبلوى والابتلاء، وإذا هم شعروا بمشاعر الآخرين فللحظات عابرات، ونادرا ما يؤدي ذلك الشعور إلى ضرورة تحرك منظم يدوم ويؤسس لأفعال تخفف المصاب البشري ويحمي بها الإنسانُ الإنسانَ من شر الإنسان.. كل يعيش في ظل مظلته وظِلِّ مَنْ يُظلُّه، أو تحت إمرة من يقرر له ما يفعل وما يقول وما يهتم به وما يلقيه خلف ظهره، وما يأكله ويشربه.. المستبد يتفرعن ولا أعتى الفراعين، والغني يزداد غنى، والمدعوس المتعوس يُسحَق، والفقير يركض وراء الرغيف والرغيفُ يركض أمامه ولا لاحق ولا ملحوق، ويزداد الفقير فقرا على فقر.. ومن نير إلى نير تنتقل رقاب المظلومين والمحرومين ومَن يسلبون حيويَّتهم وحريتهم ورأيهم وموقفهم وحقهم وكرامتهم وأملهم في حياة أفضل.. والعجلة تدور وتدور، ويطحَن الإنسانُ الإنسان بقسوة تفوق قسوة الوحش في الغاب. أشخاص يطحنون جماعات وشعوبا، ودول تطحن دولا وشعوبا والفَلَكُ دوار..
حق الفلسطينيين في وطنهم وحقهم في عيش حر كريم، وإقامتهم لدولتهم على تراب وطنهم التاريخي المُحرَّر فلسطين مُستَلَب بالقوة وبأمر الأقوياء وتواطؤهم الذي يتلطى في توازناتهم المصلحية البينية، والصهيوني العنصري قاتل الفلسطينيين فوق القانون والمُساءلة والإدانة، ومعظم شعوب العالم لا تكاد تدري بما يتعرض له أبناء ذلك الشعب كل يوم من عقود من الزمن، وتمر عشرات السنين وهم في مأساة تلد مأساة، وفوق ذلك يتَّهَمون من قاتلهم وحلفائه بأنهم يصرخون وتحمر عيونهم وتتحرك أيديهم عندما يذُذبَحون.. الفلسطينيون تحت الاحتلال والحصار، وتراق دماء الكثيرين من أبنائهم كلما جاء موسم من مواسم الصهينة من “انتخابات وأزمات وصراعات على السلطة و.. و..”، أرواحهم مستباحة واضطهادهم مستمر حيث المحتل الصهيوني العنصري يسفك الدم الفلسطيني ليستوطن في أرضه، أو لينجح في حياته ويرتفع شأنه بين الصهاينة أمثاله، أو لتحل “الدولة العنصرية” والأحزاب أزماتها.. ويبارك الأميركي فعل الصهيوني ويسوِّغُهُ، فهو عنصري قاتل مثله، ويعلن أن “من حقه أن يدافع عن نفسه”، فالفلسطيني بنظر الأميركي العنصري المتصهين لا نفس له يدافع عنها، ولا حق له بالاستقلال وتقرير المصير وحتى بالعيش الكريم على وجه الأرض.؟! أمَّا اليهودي فهو على حق مهما فعل، ويتكلم “باسم الرب”.. وتسكت الدول على هذه المهزلة خوفا أو طمعا، ويتواطأ الأقوياء ويتفاهمون، إذ يجيزون لأنفسهم أن يختلفوا بجد من أجل “فلسطينيين” أو عرب أو مسلمين أو.. أو.. فذاك لا مصلحة لهم فيه.. والضمير العالمي في إجازة شبه أبدية، والمؤسسات والهيئات الدولية صناعة الأقوياء، وهي تذعن لهم ويحاكمونها ويحركونها ويتداولون تحريكها حسب المصلحة والطلب، ويتفقون على أن يبقى الحال في عالم البشر على هذا المنوال؟! وليغب الحقاني والأخلاقي والإنساني أو فليمت فما الذي يعنيه ذلك لهم؟!
مؤسف هذا الوضع الذي طال أمده واشتدت وطأته علينا نحن العرب وعلى أمم أمثالنا، ولكن المؤسف أكثر في ديارنا وبين ظهرانينا، أن معظم الناس في وطن العرب أصبحوا يعرفون أقل عمَّا يتعرض له الفلسطينيون منذ عدة عقود من الزمن ولا يكادون يتعاطفون معهم، فقد تفرقت أهواؤهم وفرقهم الساسة وأتباع أعداء الأمة.. إنهم يعرفون أن هناك معتقلات وسجونا، وأن هناك من يقضون حياتهم في حبس احتياطي ولا يحاكمون، وأن هناك من يقتلون في الشوارع، ويدركون أن هناك أكثر من مليوني إنسان فلسطيني في غزة يفتك بهم حصار صهيوني مدمر منذ نيِّفٍ واثني عشر عاما، فضلا عن العدوان الصهيوني الدوري، والحروب الوحشية الفتاكة، ومسلسل القتل اليومي في مواقع من فلسطين كلها ينفذه جيش “الذبح الإسرائيلي” الفاقد لكل صلة بالأخلاق والقيم الإنسانية والمنفلت وحشا مِن “الغيتو اليهودي” العريق ليقتل العرب ردا على اضطهاد النازيين لليهود؟!.. المؤسف المضني المبكي أن معظم العرب يعرفون ما يعانيه ملايين الفلسطينيين الذين يسلبون أرضهم ولقمة عيشهم وحياتهم.. ويعرفون أن عربا بالملايين مشردين ونازحين ومسحوقين وجرحى ومعوقين وأيامى ويتامى ومتسولين من أبناء أمتهم، وأن أقطارا عربية تشتعل فيها نار الفتنة وتدور فيها رحى حروب، وتكرج فيها عجلة الموت، وتتجدد فيها الأمات والكوارث وتتفاقم، وتخضع لاحتلال واستباحة ولتدخل دول وقوى في شؤونها الداخلية، وتصبح شعوبها ضحايا للطغيان والاستبداد والاحتلال والقوى الطامعة بهم وببلدانهم وثرواتهم.. ويدرون ببعض ما يجري لإخوتهم في العروبة والإسلام.. لكنهم لا يفعلون شيئا لدفع الظلم عن إخوتهم المظلومين ولدرئ عدوان المعتدين على ذويهم وكف يد الطامعين بأمتهم عنها.. والطامة الكبرى أن هناك من أبناء الأمة في بلدان وعواصم ومواقع، يساهمون في تأجيج الحرائق التي تلتهم إخوتهم، ويتسببون بالكوارث التي تصيب أقطار أمتهم؟!.. فإذا كان هذا شأن الناس الأهل فيما بينهم، فكيف يمكن أن يكون شأن المتباعدين والأعداء والمتعادين من غيرهم في مثل هذه الأزمات والقضايا والضائقات والكوارث؟!
لا شك في أن هناك سياسات دولية وعربية تعاني من قحط في الجانب الأخلاقي والإنساني، وأن هناك تضليلا وتسميما سياسيا ومخابراتيا وثقافيا وإعلاميا يهيمن على عقول ويشوه عقولا أخرى، وأن هناك تخديرا لمشاعر وضمائر وشَلّا لإرادات وسواعد، وأسواقا مفتوحة لشراء الأشخاص، ومراكز أبحاث ومؤسسات مهمتها قلب الحقائق وتزوير الوقائع والتاريخ وإفساد الوعي وتضليل البشر.. وأن هذا يجعل معظم الناس ينساقون وراء المدعين ويفتنهم القول الكذب الادعاء والافتراء، وأن هناك مَن يرون الظلم ويصبرون على الظالم.. ومَن يستسيغون الكذب المموه والتلفيق المنمق ويقعون ضحايا النفاق والمنافقين، وتنطلي عليهم حيل السياسيين النصابين، ومَن يفسدهم الفاسدون المفسدون، ويستسلمون للطغاة خوفا وطمعا، ويصدقونهم ويعظمونهم ويموتون من أجلهم.. وأن هناك مَن يقهرهم من بيده السيف ولقمة العيش، ومَن يستبد بهم طاغية ويحرمهم من أبسط حقوقهم، ومَن يحرمهم محتكِر موالٍ للطاغية من لقمة العيش ليزحفوا وراءها.. وأن هناك وهناك من المظالم والمآسي ما لا يحصيه عد.. فهل يجيز هذا استفحال القوة الغاشمة وتوحشها أكثر فأكثر، وتغييب العدالة، والفتك بمن يرفع صوته لنُصرة الحق والإنسان والحرية؟!
لا أظن أن التعامي عن الحق والعدل، وعمى البصيرة، والاستعداد للاستعباد، والخوف المطلق من الجلاد.. طبيعة متأصلة في معظم البشر، ولا أظن أن للرعب والفتك القدرة على لجم من يستهدفهم الطغيان ويقهرهم، ومَن تستهدفهم القوة المتوحشة وتقتلهم إلى أبد الآبدين ولا حتى لزمن طويل يطول.. ولا أرى أن التضليل يفسد العقل ويلغي الفطرة ويشل الطبيعة البشرية ويلغي التأمل والتأميل، ولا أظن أن ما ينتجه الكلام العنصري المسموم الذي يندلق أفكارا وتصريحات وتهديدات يلغي الوعي البشري إلى الأبد ويعمي الأبصار والبصائر إلى الأبد.. فمهما اشتدت الضائقات على البشر، أفرادا وجماعات وشعوبا وأمما، لا بد من أن تأتي يقظة ويخترق الوعي سجف الظلام ويتصدى للظلم ويلجم القوة المتوحشة أو يؤنسنها ويحكمها بقوة قانون وأخلاق وإيمان.. فإرادة البشر، ونور العقل، ونفاذ البصيرة ملك للإنسان.. ولا يمكن أن يموت كل الإنسان في الإنسان.. وعلى هذا أقيم تفاؤلا بإمكانية مواجهة العنصرية والصهيونية والقوة المتوحشة التي تستهدفنا نحن العرب على عموما وتستهدف الفلسطينيين من بيننا على وجه التخصيص..
وكم زادني أملا وتفاؤلا صبي فلسطيني من غزة هاشم، شدَّ عزمي وأذرف دمعي، وذكرني بقول الشاعر العربي المؤمن بأمته الذي قال:
أمةُ العُرْبِ لن تموتَ وإنِّي أَتحداكَ باسمها يا زمانُ
“هاتها.. هاتها..” قال الصبي الفلسطيني الغزَّاوي من خلال الدموع، وهو يبكي فوق رأس أبيه الذي استشهد في غزة بعدوان المجرمين الصهاينة الأخير الموسوم بـ”الحزام الأسود”، والموصوف غزاويا ـ جهاديا بـ”صرخة الفجر”.. وكان في جمع من الناس وقوفا على واحد من أربعة وثلاثين شهيدا، بينهم السبعة الأطفال وأبوهم من عائلة السواركة في دير البلح، تلك العائلة التي استهدفها الإرهاب الصهيوني العنصري في بيت الصفيح الذي تسكنه، مع من استهدف بإجرامه في عدوانه الأخير على غزة.. وحينما رفعوا الكوفية عن وجه أبيه ورأسه ليدفنوه مدَّ الصبي الغزاوي يده وصوته من بين الدموع وقال: “هاتها.. هاتها.. هاتها”.. وعندما أعطوه كوفية أبيه التي طلبها.. شَمَّها كأنه يستعيد الروح، وضمها وكأنه في حضن أبيه، ومد أشعة عينه مع أصابع يده إلى الراية فأعطوه علم فلسطين الذي كان على تابوت الشهيد، أبيه، فوضعه على جهة القلب من صدره وضمه إلى الكوفيَّة، وسكنت تشنجاته وقسمات وجهه وهدأ.. هدأ ارتعاشُه وبقيت الدموع تنثال على خديه وتترجم أساه. لقد حمل الكوفية والراية والرسالة المسؤولية، “رسالة المقاومة ومسؤوليتها”، وفاء للأرض وشهداء الشعب ومتابعة منه لطريقهم حتى تحرير فلسطين.. هكذا صنع، وهكذا يصنع جيل من أبنائنا بعد جيل، إلى أن نبلغ الغاية ونحرر الأرض والإنسان، ونرفع راية النصر، ونعيد حثالة الشر الصهيونية من حيث أتت، ونطهر وطننا ومقدساتنا من دنس الاحتلال العنصري.. والله هو المعين وهو ولي المظلومين والمجاهدين الصابرين الثابتين على المبدأ.
شبابنا في فلسطين يتابعون نهجهم المقاوم للاحتلال، ويتوارثون النضال وحمل راية الأجداد والآباء والأخوة والأخوات.. وشبابنا في الوطن العربي ينهضون اليوم ضد الفساد والظلم والتبعية وموالاة الأعداء والتحالف معهم، ويرسمون طريقهم إلى الغد المشرق بالدم والتضحيات.. إنهم في طليعة النضال في الساحات من مشرق الوطن العربي إلى مغربه.. يواجهون الرصاص بصدور عارية، ويستمرون في الكفاح لينجلي ليل أناخ بكلكله على الأمة، وأزاغ رؤيتها حكامٌ يوالون أعداءها ويبطشون بأحرارها وينتهكون حقوق الإنسان فيها، ويشيعون في الناس الفساد وفي الأرض الخراب.. ويستقطبون عقولا مفلولة وألسنة معسولة ليسوِّغوا نهجيا ويدفعوا مسارا.. ولا أظنهم يفلحون.. ألا ساء الرأي والفعل وساء ما يحكمون..
أمتنا لن تموت، وحقنا سيعود، ونصرنا سيتحقق، والظلم والطغيان والفساد والإفساد إلى زوال.. والجيل المؤمن بحقه ووطنه وربه والمنتمي لأمته ولعدالة قضيته ولإنسانيته الصافية الشاملة سينتصر بعون الله.

إلى الأعلى