السبت 7 ديسمبر 2019 م - ١٠ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / مجتمع (المستجدات)

مجتمع (المستجدات)

أيمن حسين

أعلنت إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي عن استهداف بهاء أبو العطا، أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في الأراضي المحتلة، وقال مكتب رئيس الوزراء في بيان له إن “بهاء أبو العطا كان مسؤولا عن إطلاق الصواريخ من غزة في الفترة الأخيرة، فضلا عن التخطيط لهجمات عديدة أخرى ضد إسرائيل”. وأضاف بيان صادر عن الجيش الإسرائيلي: “كان أبو العطاء يشجع الاستعدادات لشن هجمات إرهابية فورية بطرق مختلفة تجاه المدنيين الإسرائيليين وقوات جيش الدفاع الإسرائيلي خلال الأيام القليلة الماضية.. قام أبو العطا بتدريب فرق إرهابية على التسلل وهجمات القناصة وإطلاق الطائرات بدون طيار وإطلاق الصواريخ على مسافات مختلفة”.
وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” باللغة العربية قائلا: “عاجل في عملية مشتركة لجيش الدفاع وجهاز الأمن العام تم في الساعة الأخيرة استهداف مبنى تواجد في داخله أبرز قادة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة بهاء أبو العطا”.
الاغتيالات الإسرائيلية لا ترتبط بحدث طارئ أو بنشاط لشخص ما خلال فترة زمنية معينة، بل إن فكرة الاغتيالات قديمة وممنهجة، وتم تدشين قوائم الاغتيالات في السبعينيات، ضمن حملتين أساسيتين الأولى بعنوان “عملية غضب الرب”، والثانية حملة القتل المستهدف لمواجهة انتفاضة الشعب الفلسطيني.
وكانت عملية “غضب الرب” ردا على قيام فلسطينيين باحتجاز رهائن إسرائيليين في مدينة ميونيخ الألمانية أثناء دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 1972، وانتهت العملية بتدخل أمني أسفر عن مقتل 11 رياضيا إسرائيليا و5 فلسطينيين من منفذي العملية، وبحسب كتاب ومفكرين وساسة إسرائيليين فإن عملية ميونيخ أعادت القضية الفلسطينية إلى الأضواء العالمية من جديد، وفكرت أجهزة دولة الاحتلال في تنفيذ عملية “غضب الرب” باستهداف عدد من رموز القضية الفلسطينية في الخارج كنوع من إجهاد المقاومة ولفت أنظار المجتمع الدولي بعيدا عن القضية الرئيسية، وبالفعل تم اغتيال شخصيات بارزة بالخارج في فرنسا وإيطاليا والنرويح وقبرص واليونان ولبنان.
الحملة الثانية الهدف منها وأد الانتفاضة الفلسطينية في الداخل، عبر استهداف قادة المقاومة في غزة والضفة الغربية، واستعملت أجهزة الكيان المحتل كل الطرق والسبل لتنفيذ اغتيالاتها، وربما بعد الفشل في اغتيال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في العاصمة الأردنية عمَّان عام 1997 عن طريق السم، فضلت إسرائيل التركيز على استخدام القوة العسكرية، سواء طائرات أو صواريخ أو العبوات الناسفة أو زرع المتفجرات، أو إطلاق النار المباشر، وبالفعل نجحت في تنفيذ مهامها واستشهد العشرات من قادة المقاومة والمئات من المواطنين.
اغتيال أبو العطا هو حلقة في سلسلة الاغتيالات التي تنفذها إسرائيل، ولن تتوقف عن المضي قدما فيها؛ لكن اللافت للنظر هو حالة الصمت العالمي، فالمجتمع الدولي يتناول الأخبار ويراقبها ويتعاطى معها بالهمس واللمس والآهات والنظرات؛ وتشعر وكأنهم لا يجيدون صياغة بيانات، أو أنهم تناولوا قطعا من وجبة “سد الحنك”، أو كأن على رؤوسهم الطير؛ رغم أن كل عوامل الإرهاب متوافرة عند الكيان المحتل، سواء باستخدام القوة، أو استهداف الأماكن المدنية، أو قتل الأبرياء، بل والأدهى من هذا أنهم يعترفون بفعلهم الإرهابي، ولنا أن نتخيل لو تبدلت المواقف واستهدفت المقاومة الفلسطينية رمزا أمنيا أو سياسيا أو ثقافيا أو قائدا عسكريا أو حزبيا إسرائيليا؛ وقتها سكان الأرض في كل أنحائها سيسمعون أصوات النواح وشق الجيوب ولطم الخدود داخل إسرائيل، وتتحرك المنظمات الحقوقية والإنسانية في العالم لدعم اليهود في مواجهة “الإرهاب” ـ حسبما سيصفونه وقتها ـ وغزارة في الاجتماعات واللقاءات والجلسات الطارئة بين زعماء العالم لنجدة الشعب الإسرائيلي، وإقرارات عالمية بأحقية دولة الاحتلال في الدفاع عن نفسها ورد العدوان.
هذه الازدواجية والمعايير غير العادلة من الطبيعي أن تزيد الاحتقان وتشعل الأوضاع، وفي نفس الوقت ترسخ لدينا فكرة أن المجتمع الدولي لا يعول عليه في التصدي للإرهاب الدولي؛ بل يمنحه شرعية، ويقتنع بتبريراته في نشر أفكاره، وكأنه عاجز عن إنصاف الحق، وردع المحتل، وليس لديه الرغبة لإحلال السلام محل الصراعات، بل يترك ردة فعله حسب “المستجدات”، فمع كل فعل ينتظر ما هو جديد ويتوافق مع الأهواء كي يتحرك.

إلى الأعلى