السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / واشنطن و”شيطنة” الأونروا

واشنطن و”شيطنة” الأونروا

علي بدوان

يوم الجمعة الواقع في الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2019 الجاري، صوتت (170) دولة عضوا في الأمم المتحدة لصالح تجديد عمل ولاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في اللجنة الرابعة في الجمعية العامة تمهيدا لتصويت الجمعية الشهر المقبل. مقابل دولتين عارضت (الولايات المتحدة وإسرائيل)، وسبع دول امتنعت عن التصويت في اللجنة الرابعة في الجمعية العامة. والدول التي امتنعت عن التصويت خضعت للضغط الأميركي المباشر، فلجأت إلى الامتناع بدلا من التصويت بــ(ضد)، ومعظمها دول صغيرة اعتادت على اتخاذ هكذا مواقف تحت وطأة الضغط الأميركي.
التصويت إياه، والنتيجة التي تمخض عنها، موقف دولي صريح واضح لصالح استمرار وكالة الأونروا في القيام بواجبها إزاء مجتمع اللاجئين الفلسطينيين. فدعم وكالة الأونروا دعم لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعيش بكرامة إلى حين تنفيذ القرار الأممي 194 لعام 1949، الخاص بحقهم بالعودة إلى أرض وطنهم التاريخي.
التصويت الكاسح لصالح عمل الوكالة يأتي بالرغم من المساعي الأميركية التي لم تهدأ لشطب وكالة الأونروا، وتفكيكها، وقبل ذلك “شيطنتها”، حيث تُعِدّ واشنطن لضربة جديدة للوكالة، بعد الشروع في خطة تصفيتها كجزء أساسي مما يسمى “صفقة القرن” المسمومة. فما يحصل في مؤسسات الوكالة في مناطق عملياتها الخمسة، يعكس نية الأميركيين ترجمة تصريحات الرئيس دونالد ترامب إلى إجراءات، بعدما قال إن: “الوكالة فاسدة وغير قابلة للإصلاح”.
ونتيجة للتحريض الأميركي، ومن أجل نزع الذرائع التي تقدمها واشنطن بحق الوكالة تحت عنوان “الفساد وغياب الشفافية في عموم مؤسساتها وعملها، وتوجيه تهم الفساد للمفوض العام بيير كرينبول واستغلاله للسلطة، وإلغاء عقود موظفين وتجميد آخرين، وتعيين بدلاء من دون مراعاة أدنى معايير التوظيف في الوكالة”، وكل ذلك وفق الادعاءات الأميركية، قامت لجنة تحقيق خاصة مرسَلة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، بالتحقيق مع مسؤولين رفيعي المستوى في إدارة الوكالة، بينهم نائبة المفوّض العام الأميركية ساندرا ميتشيل، ومصادرة أجهزة إلكترونية وحواسيب وهواتف، قبل أن تعود إلى نيويورك، وهو ما دفع بالمفوض العام السويسري بيير كرينبول إلى تقديم استقالته، أو على الأقل تجميد قيادة الوكالة، حيث تم قبول طلبه، وقد شكره الأمين العام للأمم المتحدة على دوره وجهوده، وتم تعيين البريطاني كريستيان ساندرز مفوض جديد بالإنابة للوكالة.
الأمين العام للأمم المتحدة، ورغم الحملة الأميركية على الوكالة، واستقالة المفوض العام، أعلن عن تقديره للأونروا على عملها الذي وصفه بأنه ضروري من أجل مجتمع لاجئي فلسطين. وجاء في تقرير الأمم المتحدة المقدم للأمين العام أن النتائج الأولية للتحقيق الذي قام به مكتب خدمات الرقابة في الأمم المتحدة تستبعد أي إدانة للمفوض العام بيير كرينبول في مسائل تتعلق بالاحتيال أو اختلاس أموال، وبناء على ذلك قرر الأمين العام وضع المفوض العام في إجازة إدارية، بينما يتم توضيح هذه المسائل بشكل أكبر وحتى يمكن اتخاذ قرار نهائي أو إجراء مناسب، حسبما جاء في بيان صادر عن مكتب المتحدث الرسمي للأمم المتحدة، ستيفان دوجريك يوم 8/11/2019.
إن إثارة الغبار والزوابع على عمل وكالة الأونروا، وفتح ملفات قيل بأنها ملفات الفساد من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، دون أدلة قاطعة، ليست صحوة ضمير إنساني، أو أخلاقي، مع أهمية محاربة ومكافحة ظاهرة الفساد أينما وجدت، لكن الأمور تأتي متزامنة مع بدء النقاشات التي سبقت تجديد ولاية الوكالة لمدة ثلاث سنوات تالية عبر اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كما جاءت عملية “النبش” الأميركية “الإسرائيلية” عما يُسمى ملفات الفساد في الوكالة، في ظل إعلان الأميركيين وقف تمويلهم للوكالة منذ عامين تقريبا، واشتداد أزمة الوكالة المالية، في حصولها على مصادر تمويل بديلة من الدول المانحة، خصوصا في ظل الأزمات التي تلف أحوال لاجئي فلسطيني في قطاع غزة وسوريا ولبنان.
إن لجنة التدقيق التي أوفدها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش لا تعني البتة أن الأمين العام استجاب لطلب الولايات المتحدة، أو انحنى أمام إرادة واشنطن ببدء التحقيقات، إلا أن مسار الأحداث، وارتباط آخر حلقاته بموظفة مثل ميتشيل، محسوبة على الخارجية الأميركية وتربطها صلات وثيقة بوكالات الاستخبارات الأميركية، يقطعان الشك باليقين في ما يتصل بالغاية من غض النظر كل هذه السنوات، ثم تركيب ملف لشيطنة الوكالة، بدءا من أعلى الهرم المؤسساتي فيها، وسحب تلك التهمة الكذوبة من القفاز في سياق السعي لإنهاء الوكالة، انطلاقا من شيطنتها.
في حقيقة الأمور، ولكل من تابع أوضاع الوكالة، والدور الأميركي النشط في محاصرتها، يستطيع أن يجزم بأن الولايات المتحدة، وإدارة الرئيس دونالد ترامب رسمت مسارا لتصفية وإنهاء وكالة الأونروا من خلال، أولا شطب مفهوم اللاجئ الفلسطيني، وحصر المعنيين به بالجيل الأول من النكبة، وهو الجيل الذي غادر بمعظمة الحياة الدنيا، الفلسطينيين الذين أُخرجوا من أرضهم. ثانيا تفكيك وإنهاء المخيمات والتجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية والقطاع وسوريا ولبنان والأردن، لإسقاط الشواهد التاريخية على نكبة فلسطين. ثالثا الضغط على الأمم المتحدة والدول الأخرى لوضع جدول زمني لإنهاء عمل وكالة الأونروا خلال خمس سنوات، وإعلانها كمؤسسة فاسدة غير قابلة للإصلاح.
وخلاصة القول، إن وكالة الأونروا هي الشاهد التاريخي، الأممي، والقانوني، على نكبة الشعب العربي الفلسطيني، وهي الجهة الدولية الوحيدة التي تحتفظ بسجلات وقيود أبناء فلسطين، وقد تمتعت على الدوام، بدعم الأسرة الدولية إلى حين تنفيذ القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948 والقاضي بحق اللاجئين بالعودة إلى أرض وطنهم التاريخي. وكان دعم “كتلة دول عدم الانحياز”، مؤثرا في أداء رسالتها لمجتمع لاجئي فلسطين في دول الطوق المحيطة بفلسطين (بلدان الشتات). لكن الضعف الذي اعترى عمل الوكالة في العقدين الأخيرين جاء بسبب من زيادة الأعباء الكبرى على عاتقها مع زيادة أعداد لاجئي فلسطين من جانب، وبدء مناورات واشنطن ودولة الاحتلال لتفكيكها وشطبها، وعلى طريق طمس حق العودة للاجئي فلسطين، وزاد ذلك الأمر مع سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب التي أوقفت مساهمتها المالية في الميزانية العامة للوكالة.

إلى الأعلى