الجمعة 13 ديسمبر 2019 م - ١٦ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / وثيقة تاريخية في سنوات لاحقة
وثيقة تاريخية في سنوات لاحقة

وثيقة تاريخية في سنوات لاحقة

جودة مرسي:
يؤكد المراقبون أن تونس خرجت من تقلبات قطار ما يسمى بـ(دول الربيع العربي)، وجعلت لنفسها محطة تثبت من خلالها في كل مرة أنها هي بالفعل الرقم الصحيح، ومؤخرا تم تكليف الرئيس التونسي قيس سعيد لوزير الزراعة السابق الحبيب الجملي، في أهم اللقطات التي نالت استحسان وسائل الإعلام، بسبب الرسالة الخطية التي أرسلها الرئيس التونسي للجملي، يبلغه فيها بتكليفه بتشكيل الحكومة، وأن يجري معه مشاورات عند اختيار بعض المقاعد الوزارية، فعبر الكثيرون عن شغفهم بالتجربة التونسية المتجسدة في اختيار رئيسهم ومدى فصاحته ودقته، وروعة خطه ونقشه، ونزاهة ذمته، وشفافية سياساته.
كثيرون في الوطن العربي أبهرتهم التجربة التونسية، لكني لم ألتفت لروعة الخط، وإصرار قيس سعيد على تقديم التكليف لرئيس وزرائه عبر رسالة خطية ستكون وثيقة تاريخية في سنوات لاحقة، لأنها فكرة إبداعية في الترويج لحاكم يستطيع غيره القيام بها أو بأفضل منها، ولم تشدني تغريداته ورسائله للداخل والخارج.
إن اهتماماتي بمراقبة التجربة التونسية انصبت على المضمون، فالرئيس السابع للجمهورية التونسية ينحدر من منارة علمية كالجامعة، ولم يكن يمتلك الأموال أو الأوهام ليغدقها على الناخبين، وكانت له مواقفه ومداخلاته ولقاءاته الإعلامية التي عبر فيها عن انحيازه الدائم لصالح الشعب، ولما قضى الله أمره بقرار الترشح للرئاسة، كان انتقاله للمرحلة النهائية مفاجأة للجميع، وعرفت هذه الواقعة بـ”الزلزال الانتخابي”، كما رفض منحة الدولة للإنفاق على حملته الانتخابية، ليكتسح الأصوات في الجولة النهائية، ويقدم صفات جديدة لرئيس تونس، وهي الرئيس المستقل منزوع الانتماءات في ممارسة مهامه الوظيفية، فيما عدا انتماء الوطن، ذو فكر مستقل وعقل خالٍ من الأدلجة السياسية، أجندة حكمه تمتلئ بطلبات الشعب وتخلو من الطلبات الحزبية والفئوية.
الجملي هو الآخر نموذج للسياسي المستقل الكفؤ، فلم يُعرف له توجه أيديولوجي أو سياسي أو حزبي قبل الثورة التونسية أو بعدها، وكان نتاج حراك شعبي “ثورة الياسمين” في 2011 والتي جاءت بالتكنوقراط إلى المناصب الوزارية، فتولى حقيبة الزراعة، وعند خروجه من الحكومة عاود العمل البحثي والتطبيقي في مجال الزراعة، وعندما سمع نداء الوطن لبى النداء مرة أخرى.
قيس بن سعيد والحبيب الجملي، ليسا شخصيتين بارزتين فقط، أو ممن يمتازون بالحيادية والاستقلالية، بل هما نتاج بذرة وعي تم نثرها في الشعب التونسي، شربت الانتماء، ونمت على التجارب، فضربت جذورها كل قاطني أراضي قرطاج، فأصبحت الرؤية الوطنية ساق نبتة الوعي، وأوراقها الممارسات، وفروعها تنوع الاختيارات والميول، فمن أفرز سعيد والجملي هو الشعب، ومن أدلى بكلمته في صناديق الاقتراع هو الشعب، ومن أنصف مرشح العلم على مرشحي المال والسلطة والبراجماتية هو الشعب، ومن حيَّد الميول السياسية هو الشعب، ومن قدم نفسه ضمانة للتجربة الديمقراطية هو الشعب.
الشعب التونسي كان الضمانة الفعَّالة للتجربة الديمقراطية وإجراءاتها، فآمن الجميع بنزاهتها، وأقر الكل بنتائجها، واستظل البسطاء في نفوذها، واستقوى المظلومون بقدرتها، وتحصن الوطنيون في قلعتها، وفر الخائنون من هوجتها.
إنها حقبة مهمة في تاريخ تونس، يعيش الشعب خلالها أزهى عصوره الديمقراطية، وتعزز ممارساته السياسية شعار “الحاكم باختيار الشعب وانتمائه للوطن”، فالرئيس وحكومته نتاج اختيار شعبي، وفي نفس الوقت متجردين من الأيديولوجيات السياسية، ويعلنان أن الانتماء الأول في عملهما للوطن، وهو ما يؤكد أن تونس مختلفة ما دام نهر الإبداع لم يبخل على العالم بعطائه.

إلى الأعلى