السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب والهروب للأمام

ترامب والهروب للأمام

د. أحمد مصطفى أحمد:
لا يكتفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بما يواجهه في الداخل من تحقيقات واتهامات، بعضها يستهدف عزله من منصبه من قبل البرلمان، وإنما يكرس قدرا من جهده لدعم من يراهم على شاكلته في أماكن محددة من العالم. ويلاحظ في الآونة الأخيرة أن تغريدات ترامب الهجومية والعدائية تجاه خصومه السياسيين في الولايات المتحدة، وهم كثر، أصبحت أقل عددا وأخف صراخا. حتى تغريدته الأخيرة عن لقائه مع محافظ الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأميركي كانت رسمية تماما وهو الذي ما كان يذكر رئيس الاحتياطي إلا مشمولا بصفات أقلها أنه غبي. لا أتصور أن الرئيس ترامب مل من حملاته العدائية على “تويتر” أو أنه استجاب لنصائح مستشارين بتخفيف حدة تعليقاته وانتقاداته أو أنه أدرك فجأة خطر مواقع التواصل وما يمكن أن تسببه من كوارث أحيانا.
أمضى الرئيس ترامب ثلاثة أرباع مدته الرئاسية الأولى وقد استعدى الإعلام والسياسيين التقليديين وحتى من الحزب الجمهوري الذي يمثله رئيسا. كما كانت تصريحاته وتغريداته سببا في شبه عزلة دولية تعاني منها الولايات المتحدة بعدما بدا من تخلي واشنطن عن حلفائها وطريقة الرئيس ترامب الفجة أحيانا في ابتزاز الآخرين على طريقة “حسنة وأنا سيدك”. ومع بدء العد العكسي لعام على الانتخابات الرئاسية التي يريد ترامب أن يفوز بها ليبقى في البيت الأبيض أربع سنوات أخرى حتى نهاية 2024 يخوض الرئيس حملته الانتخابية في الداخل والخارج على السواء. ففي الداخل يقوم بالجولات الانتخابية لدعم مرشحين في برلمانات ولايات من الحزب الجمهوري أو حكام ولايات ينافسون الديموقراطيين في ولاياتهم، وكلها بالطبع مهرجانات انتخابية للترويج لإعادة انتخابه في نوفمبر العام القادم. وفي الخارج، يستغل علاقات واشنطن للنيل من خصومه السياسيين في الحزب الديموقراطي كما فعل مع رئيس أوكرانيا وهو موضوع تحقيق الكونجرس لعزل الرئيس حاليا.
لكن ترامب يرى أيضا أن من الضروري أن يفوز أمثاله بالحكم في دول مهمة بالنسبة لواشنطن، وفي المقدمة بالنسبة إليه بلدان: بريطانيا وإسرائيل. لذلك يدعم ترامب بكل قوة صنوه في تل أبيب بنيامين نتنياهو، حتى رغم فشله في الانتخابات مرتين. فقد أهداه في البداية الاعتراف الأميركي الرسمي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس ـ وهو ما تردد كل الرؤساء الأميركيين السابقين في القيام به. ثم تلا ذلك بشرعنة ضم الاحتلال لمرتفعات الجولان السورية. ولم تفلح كل هذه الهدايا الترامبية، التي هي في النهاية على حساب حقوق الفلسطينيين والعرب ولا تكلفه شيئا (فهو في النهاية يفضل القهوة المجانية)، في تحسين فرص نتنياهو في البقاء في السلطة. لذا، ومع احتمال إجراء الانتخابات الإسرائيلية لمرة ثالثة قدم ترامب هذا الأسبوع هدية أخرى لنتنياهو هي الاعتراف بشرعية المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومجددا، حين سئل وزير خارجية ترامب عما إذا كان يتوقع أن تتغير سياسة أميركا بعد 41 عاما من اعتبار المستوطنات مخالفة للقانون الدولي قد يؤدي إلى مزيد من العزلة لأميركا في العالم أجاب بالنفي. وكان الرجل واثقا مثل رئيسه بأن من يقتص من حقوقهم ليهدي صديقه نتنياهو لن يغضبوا منه كما يتصور البعض!!
أما الصنو الآخر لترامب فهو رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي لم يخف الرجل إعجابه به وتأييده علنا (دون أن يتهمه أحد بأنه يتدخل في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة) عندما كان ينافس قبل أشهر قليلة على خلافة رئيسة الوزراء المستقيلة. ومع الانتخابات المبكرة الشهر القادم في بريطانيا، سيقوم ترامب بحملة مباشرة لدعم جونسون قبل الانتخابات حين يشارك بعد أيام في قمة حلف الناتو في بريطانيا. ويبدو كأن الرئيس الأميركي لم يعد قادرا على مواجهة الضغط في الداخل فقرر الهجوم للأمام بدعم آخرين في الخارج، وتحديدا نتنياهو وجونسون. وفي الحالة الأولى لا يكلفه الدعم سوى الانتقاص من حقوق “أصدقائه” العرب، وفي الثانية سيفيد شركات الدواء والرعاية الصحية الأميركية بفتح جونسون باب الخدمة الصحية الحكومية البريطانية أمامهم إذا فاز في الانتخابات. وذلك تحديدا ما تحذر منه المعارضة البريطانية. ومرة أخرى لا يهم ترامب أن ينتقص من حقوق المواطنين البريطانيين حصولهم على خدمة صحية حكومية مدعومة وهو يرى أنهم أيضا لن يغضبوا منهم لأنه سيهديهم بوريس جونسون!!
هذا الهروب الترامبي إلى الأمام قد يوفر العثرة غير الضرورية التي تجعل الرئيس الأميركي يخسر في الداخل، حتى لو لم يتخل عنه أصدقاؤه في الخارج. فنتنياهو يبدو غير قابل للنجاح في الانتخابات ولا تشكيل حكومة، وكل ما يهمه أن يستمر الجمود السياسي ليبقى رئيس حكومة تصريف أعمال فلا يقدم للمحاكمة على التهم المدان بها (فساد واستغلال نفوذ) ويدخل السجن. أما بوريس جونسون، فحتى لو فاز في الانتخابات البريطانية فلن يكون سهلا عليه بيع نظام الرعاية الصحية الحكومي للشركات الأميركية. هي إذًا رهانات خاسرة لرئيس محاصر بالقضايا والتحقيقات والاتهامات وعداوة الإعلام وكثير من السياسيين، ولا يشجعه سوى اليمينيين المتشددين الأقرب للعنصريين وبعض الصهاينة المسيحيين من طائفة نائبه الايفانجليكال.

إلى الأعلى