الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى : كافكا المشوه لصالح الصهيونية !

رؤى : كافكا المشوه لصالح الصهيونية !

هل كان الكاتب التشيكي فرانز كافكا صهيونيا ؟ الإسرائيليون ينظرون إليه كيهودي بار بأمته ومخلصا للفكر الصهيوني، ولقد ساعد على شيوع تلك المزاعم أن الوكيل الوحيد لـ”كافكا السلعة” وهو صديقه ماكس برود سوقه للعالم على تلك الصورة، كافكا اليهودي الصهيوني المتحمس لمشروع “عودة” اليهود إلى فلسطين، فهل كان هذا حال “كافكا”؟ وأظنه أحد الأسباب وراء حكم محكمة الأسرة في تل أبيب منذ أربعة أعوام بنقل إرث الكاتب التشيكي “فرانز كافكا” وصديقه “ماكس برود” إلى المكتبة الوطنية الإسرائيلية رغم ادعاء المحكمة أنها ترغب من وراء الحكم تحقيق أمنية برود بنشر كتابات كافكا لكل محبى الأدب فى إسرائيل والعالم، نعم هي أمنية “برود” في إطار مشروعه وآخرين “صهينة كافكا”، لكن لا أحد يمكنه القول إن كافكا نفسه لو كان على قيد الحياة سيظهر حماسا لنقل تراثه الأدبي إلى المكتبة الوطنية في إسرائيل.
وكان برود قد خلف لسكرتيرته إستر هوف حين توفي في إسرائيل عام 1968. أعمالا غير منشورة لكافكا فباعت جزءا منها! وأودعت جزءا آخر في بنوك سويسرية، رافضة أن يطلع أحد عليها ! وكثيرة هي ادعاءات ماكس حول “صديقه ” كافكا”.
يقول برود إن كافكا الذي كان يعاني من مرض السل طلب منه قبل وفاته عام 1924
أن يقوم بحرق كل أعماله الأدبية، وقال له حرفيا، طبقا لرواية ماكس :إحرق كل شيء دون قراءته، أريد أن ينساني الناس !
والمتحمسون لرواية برود يقولون إنه لوفائه لـ”صديقه” لم ينفذ الوصية، ولم يحرق صفحة واحدة، بل قرأ كل ما كتبه، وسخر عقدين من عمره ـ من عام 1930 وحتى عام 1950 ـ لينكبّ على دراسة واستخراج ونشر أعمال كافكا وتقديمها للعالم.
فإن كان ماكس قد وصف صديقه كافكا بالقديس الغامض، فلقد حاول هو أن يظهر أمام العالم كقديس جلي ومخلص في محراب كافكا، إلا أن العديد من كبار الكتاب والباحثين يكشفون أنه في الحقيقة ما كان سوى قديس زائف ومدع!
أما ما أشاعه ماكس وأيضا الدراويش في سيرك الصهيونية العالمية من أن كافكا كان مؤمنا بمشروع الوطن اليهودي في فلسطين، فلا يبدو هذا منطقيا مع شخصية مثل كافكا لم تبد أي اهتمام بالشأن السياسي عبر مسار حياته القصيرة، وهو ما يؤكده الناقد السوري الدكتور عبده عبود بقوله: إن كافكا لم يكن أديبا سياسيا بالمعنى المألوف للكلمة، ولم تكن له آراء ومواقف سياسية يمكن اعتبارها مقياسا لتقييم أدبه أو مفتاحا لفهم ذلك الأدب.
ويوجه الدكتور عبود ـ وهو متخصص في الأدب الألماني ـ نصيحة إلى بعض المنظرين العرب أن يكفوا عن توجيه الاتهام لكافكا بأنه كان متحمسا للفكر الصهيوني، ويرى عبود أنه ليس من مصلحة الأدب العربي ولا العالمي طرح أديب عالمي مثل فرانز كافكا بكل يسر وسهولة بأنه ارتمى في حضن الصهيونية، ولو كان الأمر كذلك لما قصر الصهاينة في استخدام نتاج هذا الأديب لصالح أغراضهم الدعائية.
وإذا كان “برود” نجح في تسويق “صديقه” كافكا كقديس غامض أمضى حياته في عزلة سوداوية ربما ليلهب مخيلة القراء ويحقق المزيد من النجاح في الترويج له إلا أن يوميات كافكا والتي صدرت نسختها العربية من هيئة تراث أبو ظبي تقدم الصورة الحقيقية لكافكا ، وهذا ما لاحظه الناقد محمد شعير خلال قراءته لتلك اليوميات، حيث رأى كافكا آخر، محبا للحياة، مقبلا عليها، عاشقا للنكات.
ولماذا يفعل برود بـ”صديقه” كافكا كل هذا؟ لأن برود كان صهيونيا متعصبا، هاجر إلى فلسطين في إطار حماسه لمشروع “العودة إلى أرض الميعاد” عام 1938، ولأنه كان أديبا فاشلا، بل وخاض تجارب في مجالات أخرى كالموسيقى وفشل، فاستغل علاقته بكافكا ليحقق ذاته من خلاله، ولو كان صادقا فيما رواه عن أن كافكا طلب منه احراق أعماله الأدبية فهو رفض ذلك لأنه من خلال هذه الأعمال، والاشتغال عليها يحقق ذاته التي فشل في تحقيقها عبر كتاباته هو، أي أنه جعل من كافكا مشروعه وطموحه الخاص، بل وألصق به تهمة الصهيونية ليكسب اهتمام آلة الدعاية الصهيونية العالمية بما يفعله من أجل تراث كافكا الأدبي، وتلك وجهة نظر شخصية قد يجانبها الصواب، إلا أنه من الملاحظ أن محاولة برود أن يرى العالم كافكا من خلال منظوره هو قوبلت بالرفض والتشكيك من قبل كتاب كبار مثل الكاتب التشيكي الشهير ميلان كونديرا الذي حشد العديد من البراهين على كذب برود وذلك في كتابه “خيانة الوصايا” وخاصة في الفصل المعنون “تشويه كافكا” حيث يؤكد كونديرا إن كافكا كان غير معروف تماما من النخبة الأدبية التشيكية وبالتالي إطمأن “برود” إلى أن كل ما سيكتبه عن كافكا لن تتم معرفته بسهولة، فأخذ راحته في الكتابة والتفسير والشرح وصار المصدر الوحيد لعالم كافكا الشخصي.
ومما يدل على عنصرية ماكس وعدم أمانته أنه حاول إبان ارتكاب العصابات الصهيونية لمذبحة دير ياسين أن يشوه الأمور ويرسل استغاثة للروائي الألماني الكبير هيرمان هسه يطالبه بالوقوف مع الشعب اليهودي الذي يتعرض للذبح على أيدي العرب، إلا أن الكاتب الألماني كان يدرك حقيقة ماكس فلم يستجب لندائه .
وفيما يتعلق بمزاعم ماكس بأن كافكا أوصاه بحرق كل أعماله يتساءل كونديرا :لماذا زوّر ماكس برود تلك الوصية؟ هل كان كافكا عاجزا عن حرق مؤلفاته بنفسه؟ كل الوثائق والرسائل والشهادات التي ظهرت أخيرا تقول إن كافكا وفي وصية خطية طلب حرق بعض الأعمال التي لم يكن واثقًا منها واستثنى جميع الروايات الكبرى ومنها المحاكمة والمسخ والقصر وأميركا ومستعمرة العقوبات وغيرها، ولكن ماكس برود زعم أنه قال لكافكا وجها لوجه “بدون ذكر أي شاهد وهي فرصة ثمينة” إنه لن ينفذ هذه الوصية.
ويواصل كونديرا تساؤلاته المدحضة لأكاذيب ماكس: لو كان كافكا راغبا حقا في حرق كل أعماله، فلماذا لم يقم هو بنفسه بعد هذه المواجهة والرفض المزعوم بحرقها؟ أو على الأقل إذا كان عاجزا بسبب المرض لماذا لم يكتب وصية لشخص آخر يقوم بالمهمة؟
ويصف كونديرا ماكس بـ”الحقارة” لأنه أهدى مخطوطة كافكا “المحاكمة” لزوجته التي باعتها!
ما الذي يعنيه كل هذا ؟
يعني ببساطة أن التاريخ الانساني يحتشد بالأكاذيب التي لفقت لأغراض سياسية وعنصرية وللأسف نتعامل معها كبديهيات، وأحد أكبر مصانع الأكاذيب في العصر الحديث آلة الدعاية الصهيونية، وما قصة كافكا القديس المتصهين سوى أحد منتجاتها التي تحمل توقيع كاذب ومدع، اسمه ماكس برود !

محمد القصبي

إلى الأعلى