الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإهتمام لدوام الإنعام

الإهتمام لدوام الإنعام

محمود عدلي الشريف*
لقد منَّ الله تعالى على خلقه بالإيجاد، ورزقهم لما يصلحهم الفهم والرشاد، وجعل الهٍمَّة عاملاً أساسياً لدوام النعمة، والنشاط عماداً قويماً لبلوغ القمة، فإن كل واحد منا جند من جنود هذا الوطن المبارك، ومسئول عما قام به تجاهه وشارك، فالكل على ثغر من ثغوره، لتزداد نهضته ازدهارا ويتلألأ نوره، فإن النعمة إذا لم تحاط بسياج من الهمة، وتحفظ في مأمن من الفساد والكساد، انهدم بنيانها، وزال وجودوها، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة 38 ـ 39)، ولِمَ لا؟! والله تعالى قد ضرب لنا في كتابه العزيز كثيراً من تلك النماذج التي وإن طالت بها الحقب، فإن حالها انقلب رأساً على عقب.
فإن الأيام على كل حال تمر، وهي لا شك جزء من العمر، فاجعل لكل يوم ما فيه، وجدد أعماله بما يكفيه، نعم ـ أخي القارئ الكريم ـ اجعل لكل يوم عمل، ولا تنقل ما يخصه ليوم بعده، فما أصابك فيه من تعب وجهد جهيد ، فلا تصحبهما معك ليوم جديد، ولا تجعل من نومك مضيعة ليومك، أو هدراً لوقتك، فما لكثرة اليوم من منفعة، بل هو وهن وضعف ومضيعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) (صحيح مسلم 4/ 2052)، فأقسط لجسد من النوم راحته، واعطه من غير إفراط ولا تفريط حاجته، أي نعم ـ أخي الكريم ـ جدد لكل يوم نشاطه، واقتل الأمراض بالرياضة، فكل مسئول قدوة لمسئوليه، وكل رجل قدوة لآهله وذويه، فإن الصحة والعافية التي وهبك الله إياهما، ثم لا تعمل على زيادتهما، فعن ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلم):(نعمتانِ مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحَّة والفراغ) (رواه البخاري ـ 6412)، فلا تجعل شبابك خاوٍ على عروشه، فتكن كالمريض صريحا على فرشه، وكيف يضيع شبابك من بين يديك، وأنت في استدراج وغفلة تلهيك، رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) قالَ:(لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ)، فلا يحسبن الذين يتكاسلون أنهم خلقوا عبثاً أو سداً، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك ـ ٢)، والزموا الهمة والنشاط ، واحذروا التكاسل والإنحطاط ، فمن تبع كسله وخلف تباطئه انساق ، فإن ذلك مما وصف الله تعالى به أهل النفاق، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعاً وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً) (النساء 71 ـ 72)، وعنْ عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَقُولُ:(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالهَرَمِ، وَالمَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَعَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ عَنِّي خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ) (صحيح البخاري 8/ 79)، فعملك نعمة، يتمناه من ليس له، فاجعل منه طاعة لربك، غنى لأهلك، ورقيا لمجتمعك، ونهضة لوطنك، فما الذي يعود على المقصر والكسول، إلا التقهقر والخمول، فكم من أناس أصابهم الكسل، بتضييع الأهداف والأمل، وكم من أناس أقعدهم الهوان ،فألبسهم ثوب الخذلان، فتوقف بهم القطار بغير تقدم ولا زيادة، فما تذوقوا طعم النجاح ولا الريادة، بل تراجعت بهم أحوالهم، فما ازدادت أرزاقهم وما صلحت أعمالهم، فهبوا بني وطني بالإهتمام إلى منتهاه، وانشروا روح النشاط في كل اتجاه، أحقوا كل ذي حق حقه، ولا تنفذوا المطلوب فحسب بل زيدوا فوقه، فرسولكم الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم ـ على الرغم من وعد ربه، بأنه تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه، إلا إنه كان يقوم ا لليل رضاه لمولاه، حتى تورمت قدماه، وقد قام صحابته بالاقتداء به فأكملوا المسار، فكانوا رضي الله تعالى عنهم رهباناً بالليل فرسانا بالنهار (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْـمُحْسِنِينَ) (العنكبوت ـ 69)، فشدوا في إتمام رضا الله كل عزم، وانفضوا عنكم كل هم ووهم، اللهم احفظ علينا أمننا وأماننا، وبلادنا وخيرنا ميرنا.

إلى الأعلى