الجمعة 6 ديسمبر 2019 م - ٩ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (5)

دلالة اللفظ وعلاقته بالسياق القرآني (نماذج تحليلية كاشفة من القرآن الكريم) (5)

د/جمال عبدالعزيز أحمد:
تكملة لختام حلقات هذا الموضوع نقول: .. وأما عن نموذج الجبر والإكراه، وأخذ ما ليس للإنسان، وظلمهلأخيه الإنسان، فتنهض له آياتُ سورة الكهف لتنهض بهذا المعنى، حيث يقول الله تعالى:(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف ـ 79).
هنا يريد القرآن الكريم أن يعبر عن ظلم الملك الذي سيمر ويأخذها في طريقه إلى حيث يعيش، ولن يُقيم لبكاء هؤلاء، وفاقتهم وحاجتهم واحتياجهم أيَّ تقدير، أو احترام، فجاء العبد الصالح الذي طلب إليه سيدنا موسى أن يصطحبه ليعلمه مما عُلِّمَ شيئاً، وكان العبد الصالح قد اشترط على سيدنا موسى ألا يقاطَعه في أي عمل يقوم به، وألا يسأله عن شيء حتى ينتهي هو نفسه منه ، ثم يطلعه على الحكمة من قيامه والنهوض به، وألا يعترض على صنيعه أبداً:(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (الكهف 66 ـ 70)، فهذا كان شرط اصطحابه ووافق على ذلك سيدنا موسى – عليه السلام، ولكن الآية التي نحن بصدد بيان علاقة لفظها بالسياق هي:”وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف ـ 79).
هنا اختلف النحاة في كلمة (غصباً): هل هي حال، أم هي مفعول لأجله، أم هي نائب عن المفعول المطلق؟، الذين قالوا بحاليتها فلابد أن نسألهم: إن الأصل في الحال الاشتقاق، بمعنى أن ترد اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة أو أفعل تفضيل أو ترد على إحدى صيغ المبالغة المعروفة؛ حتى تكون حالا، هكذا اشترطوا في الحال: أن تكون مشتقة، حتى لو جاءت جامدة قالوا: لابد أن تؤول بمشتق، وهنا كلمة (غصبا) جامدة لكونها مصدراً والمصدر جامد، ويمكن تأويلها يأخذها كارِهًا أصحابَها، أو مُكرَها أصحابُها فكيف تؤول هنا؟، ولِمَ جاءت جامدة وهي حال؟.
قالوا من بين ما قالوا: إنها حال، وجاءت على تلك الصفة من الجمود بيانا للمعنى والسياق الذي وردت فيه، كأن القاعدة اغتُصِبت أولا، وأُجْبِرَتْ على أن تكون كذلك، وظُلِمَتْ قاعدة الحال هنا؛ لتبين ما وراءها من سياق الجبر، ومقام الظلم، وحال الإكراه ، فكما أن السفينة ستؤخذ ظلمًا وجبرا عن أهلها، وإكراها لهم على تركها،والتسليم للملك الظالم بأخذها على مضض، وحزن، وضيق، وكَبْت، فكذلك الحال أُكْرِهَتْ على أن تجيءَ جامدة، والأصل فيها الاشتقاق، وتجرَّعت غُصَصَ الجمود، كما تجرَّع أصحاب السفينة الفقراءُ غصةَ الغصب، والظلم ، فارتبطت اللفظةُ بما وراءها من المعنى، وتناغم القولُ مع دلالته؛ ليتماشى اللفظ، والمعنى، والمراد، ويتساوق القول، والدلالة، والمفهومُ، فيكون اللفظ راسمًا لما تحته من دلالة، ويكون اللفظ قد أعطى كشفًا لحقيقة ما سيحدث، وبيانًا لما سيتمُّ من غصب، وظلم، وجبر، وخروج عن حدود اللياقة الإنسانية، والصبر على البلاء، والصمت عن المطالبة بحقهم؛ خوفا مما سيتم فيهم من ضرب، وتعذيب، فكذلك اللفظُ هنا تجرَّع غُصص الظلم، وجاء الحال جامدًا، قد خالف سَنَنَ القاعدة، ومضى على غير ما قنَّنت له اللغة، وسجلته في قواعدها؛ ليوضح تلك الدلالة القرآنية التي ارتبطت بها الدلالة اللغوية، وتعلقت بها القاعدة النحوية، هكذا اتضحت علاقة اللفظ بسياقه، وتشكَّل القولُ متناغمًا مع مسرحه اللغوي، وقيمته الإيمانية التي يريد القرآن نقلها عبر ألفاظه، وجمله وعباراته، وأساليبه، وتعبيراته، وصوره، وتراكيبه.
نسأل الله للجميع الهداية وأخذ العبرة والنصيحة والموعظة، وأن يبصرنا بجلال لغة القرآن الكريم، وجمال ارتباط اللفظ بسياقه، والكلمة بمعناها، ومجيء لغة الكتاب الحكيم متناغمةً مع دلالاتها، وسياقاتها، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتستنزل البركات،وتعمُّ الفيوضات، ونواصل الحديث حول تلك الدلالات الحاليَّة المتناغمة مع سياقاتها القرآنية في لقاءات أخرَى، وصلى الله وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

* كلية دار العلوم بجامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية
DRGAMAL2020@HOTMAIL.COM

إلى الأعلى